تحولت أدوات التواصل الاجتماعي من مجرد «كيبورد» أو شاشة صغيرة محمولة في الجيب، إلى دولة افتراضية كاملة السيادة، لها حدودها وجوازاتها ودستورها، وتحول زوارها من مجرد أفراد يقبعون في غرف معزولة إلى أمة «توتير» وشعب «فيسبوك» وقبيلة «واتساب» حيث لا رقابات ولا ممنوعات ولا تجميل على النص ولا رتوش ولا إضافات، من قلم الكاتب إلى نظر القارئ، ومن لسان المتحدث إلى أذن المستمع مباشرة.

وبقدر ما ساهم ذلك في إزالة الحواجز التقليدية أمام التعبيرعن الذات، إلا أنه أيضا ساهم ذلك في انحدار لغة الحوار والأفكار وطرائق التفكير عبر الانتقال من منتج عام محكوم بأطر لغوية وثقافية واجتماعية متوارثة، إلى منتج خاص وبلا قيود حيث يتحاور الجميع، بأسماء وهمية، ولغة ركيكة ومفردات شعبية وجدليات مأزومة.

ورغم أن هذه الأدوات هي كانت أول من كسر حاجز هذه الرقابات تاريخيا وبشكل لم يسبق له مثيل وهو ما ضيق الفارق بين الصورة المزيفة والصورة الحقيقية، وألغى برجوازية النص لأول مرة، إلا أن ذلك ساهم أيضا في الترويج للكتابة السطحية، على حساب صور التحليل والتركيب وكشف الأبعاد المتعددة للأشياء، كما ساهم في انتشار القراءات الأيديولوجية المفخخة والتي أصبحت أفضل طريقة للتشويه على الحقيقة والتدليس على العامة.

وفي خضم هذا الانفتاح غير المسبوق مازال جيلنا الجديد يبحث عن هوية جديدة لم تتشكل ملامحها بعد، ولم يعد بمقدورنا المساهمة في تشكيلها مطلقا، إلا من خلال قيم اجتماعية بديلة لا تقوم على أساليب التلقين أو المنع، وإنما على قيم الاقتناع والاختيار واحترام عقل المتلقي وخياراته المسلوبة، بعد أن فرطنا لهذا الدور من خلال احتكار الحقيقة المطلقة وأساليب الرقابات الجامدة والتي ساهمت صرامتها في سرعة الارتداد وعمق الانغماس في هذه الأدوات وهو ما سوف يصنع الفارق على حساب هذه الأدوات التقليدية المؤدلجة سياسيا وفكريا وثقافيا والتي يبدو أن عصرها انتهى إلى الأبد، في حين كان أساطينها ودهاقنتها يعتقدون خاطئين بأنها سوف تستمر معهم إلى الأبد، إلى أن باغتتهم هذه الأدوات الجديدة على حين غرة !!.