يُنقَل عن أحاديث «مَجَالِس النُّخبَة» قبل حوالي نصف قَرن أنَّ المؤسسة العامة للبترول والمعادن (بترومين) لَم تُودِع إيراداتها من بيع المنتجات النفطية في السوق المحلي في مؤسسة النقد العربي السعودي، كما يَقضي النظام المُتعلِّق بإيرادات الدولة. ويُقال أيضاً إنَّ وزارة المالية آنذاك، كانت تُطالِب بإيداع إيرادات بترومين لدى مؤسسة النقد، فَيَرُد وزير البترول والثروة المعدنية آنذاك (وهو رئيس مجلس إدارة بترومين) بأنَّ هذه الإيرادات ستُستَخدَم في توسعة المصافي. استمرت هذه المراسلات بين الوزارتين، حتى صَحَونا بعد رحيل وزير البترول (عام 1986م) لنَجِد المملكة تستورد البنزين والديزل من دول الجِوار بسبب قصور كبير في مصافيها.

السؤال الذي حَيَّرَ الكثيرين آنذاك وحتى الآن، هو: لماذا تأخَّر وصول مخالفات وزير البترول آنذاك إلى الملك، على الرغم من وضوحها وضوح الشمس في رابِعَة النهار!؟ الإجابة تتمثل في «فوبيا» سعودية (وقد تكون خليجية!)، تقول: «الرَّجَّال واصِل».

ولكن، هل تَوَقَّفَ وَهْمْ أو فوبيا «الرَّجَّال واصِل» بعد قِصَّة بترومين!؟ بالطبع لا. فقد تَكرَّرَت أربع مرات على الأقل.

الحالة الأولى، هي تلك المُتَعلِّقة بإنشاء الحكومة للشركة السعودية للتسويق والتكرير (سمارك) قبل رُبع قَرن، وذلك في عمليةٍ قِيلَ آنذاك أنها تَهدِف إلى إعادة هيكلة قطاع البترول، بحيث تقوم شركة أرامكو السعودية بعمليات التنقيب والإنتاج، وتقوم شركة سمارك بالتكرير وتسويق المنتجات البترولية. وكان مجلس إدارة شركة سمارك برئاسة وزير البترول والثروة المعدنية السابق (رحمه الله) وسبعة أعضاء آخرين من القطاعين العام والخاص.

وقد كان وزير البترول آنذاك «طَموحاً وعَمليّاً جداً»، فأراد أن تكون شركة سمارك تحت مظلَّة نظام «الشركات ذات المسؤولية المحدودة»، مما يُعطيه «حُريَّة» في العمل مُستَقِلاًّ عن «البيروقراطية» الحكومية. ولكن وزارة التجارة آنذاك رَفَضَت إصدار سـِجِل تجاري بمسمى «شركة ذات مسؤولية محدودة» لشركة سمارك، لأنَّ قرار مجلس الوزراء بإنشاء سمارك لم يَنُص على ذلك.

ولأنَّ وزير البترول آنذاك كان «جريئاً» ومُستعداً للمغامرة التكنوقراطية، فقد بدأ بإدارة شركة سمارك من دون حصولها على سجل تجاري. وبدأ كبار التنفيذيين في سمارك في مغامراتهم الاستثمارية والإعلامية والإدارية والمالية الفانتازية تحت نَظَر وسَمع وزير البترول رئيس مجلس إدارة سمارك، حيث كانت هذه المغامرات حديث المجالس السعودية على مدى عُمر سمارك الذي لم يتجاوز أربع سنوات، تلك المغامرات الحُبلى بإنفاق وهدر مالي لم يَمُرّ على شركة حكومية أو خاصة في تاريخ المملكة آنذاك.

ومن حُسن حظ رئيس مجلس إدارة شركة سمارك وزير البترول آنذاك، أنَّ الإنترنت لم تُولَد إلاَّ بعد سنتين من وفاة شركة سمارك في يونيه 1993م؛ وبالتالي كانت مغامرات الإدارة التنفيذية لشركة سمارك صعبة الوصول إلى «صانِع القرار» بسبب محدودية حُريَّة الكتابة الصحفية آنذاك، إضافة إلى إغراق شركة سمارك للصحف المحلية بإعلاناتها السَّـخيّة، والذي كان خط الدفاع الثاني ضد أي صحفي يُفكِّر بِكِتابةٍ سِـلبيَّة عن سمارك. وقد زاد من صعوبة اطِّلاع صانِع القرار على أخبار هذه المغامرات المالية والإدارية لشركة سمارك اعتقاد الكثيرين في دوائر صناعة القرار بأنَّ وزير البترول آنذاك «واصِل». لذلك استمرَّت هذه المغامرات «السَّـمَاركيَّة» حتى قَيَّضَ الله مَن يقوم بنقل المعلومة الحقيقية عن شركة سمارك للملك الذي أعفى وزير البترول آنذاك، وضُمَّت سَمارِك إلى شركة أرامكو؛ ولكن ليس قبل بَعثَرَة مئات ــ إن لم يكن آلاف ــ الملايين من الريالات في مغامرات استثمارية وإدارية وإعلامية لا أوَّلَ لها ولا آخر.

الحالة الثانية من فوبيا «الرَّجَّال واصِل»، تتعلق بأوَّل مجلس إدارة لشركة الاتصالات السعودية، التي أُنشِئَت بعد تخصيص قطاع الاتصالات قبل حوالي (19) سنة، حيث كان يرأس مجلس إدارتها وزير الاتصالات وتقنية المعلومات آنذاك. وبمُجرَّد بدء شركة الاتصالات السعودية العمل، ملأت المغامرات الإدارية لمعالي رئيس مجلس إدارتها أحاديث مَجَالِس النُّخبَة، ولكنها لم تَصِل لوسائل الإعلام المكتوبة بسبب إغراق الشركة الصحف المحلية بملايين الريالات عبر إعلاناتها وفرقعاتها الإعلامية، إضافةً إلى انخفاض هامش حرية الكتابة الصحفية آنذاك. لذلك كَثُرَ الحديث في «مجالس النُّخبَة» عن مُخالفات معالي رئيس مجلس إدارة شركة الاتصالات السعودية، الذي ظنَّ الكثير بأنَّ «الرَّجَّال واصِل». ولكن قَيَّضَ الله للشركة والوطن من أعضاء مجلس إدارة شركة الاتصالات السعودية آنذاك رجالاً لا يعترفون بهذه الفوبيا؛ حيث قَابَلَ عدد من أعضاء مجلس الإدارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز (ولي العهد آنذاك، رحمه الله) ونقلوا له مُخالفات الوزير المتعلقة بتجاوزه مجلس الإدارة في قراراتٍ هي من صميم صلاحيات المجلس، بحُجَّة أنَّ لديه «توجيهات عُليا». فما كان من «أبي متعب» إلاَّ أن أَعفى الوزير من منصِبِه، ليَنسِف (رحمه الله) خُرافة فوبيا «الرَّجَّال واصِل». ومنذ ذلك التاريخ مُنِعَ الوزراء من رئاسة مجالس إدارات الشركات مهما كانت نسبة ملكية الدولة فيها.

الحالة الثالثة من فوبيا «الرَّجَّال واصِل»، كانت في مغامرات المحافظ السابق للهيئة العامة للاستثمار، الذي ملأ سماء الجزيرة العربية بضجيج الاستثمار الأجنبي الذي سيدفن المملكة بمليارات الدولارات، وعَزَّزَ مِن قُوَّة ضَجيجه سعيه الحثيث لقفز المملكة على سلالم التصنيفات العالمية لجذب الاستثمار. بل جاء معالي المحافظ إلى مجلس الشورى يُدافِع عن طلب الهيئة إلغاء تحديد رأس مال الشركة ذات المسؤولية المحدودة في نظام الشركات (الذي كان مُحدَّدَاً بـ500 ألف ريال)، قائلاً بأنَّ تعديلها سيَرفَع من تصنيف المملكة على معيار البنك الدولي للتنافسية!! ولَمَّا أفَقنا من «سَـكرَتِنا»، وَجَدنا ملايين العمالة الوافدة حَطَّت رِحَالها على «خطوط طيران ساقيا» في مطارات مطاعم فول وطعمية ومقاولي العظم، بعد أن دَفَعوا تذاكر طيران وحسابات بنكية «اسـتأجروا» قيمتها من مواطنين «صالحين» ليحصلوا على ترخيص «مستثمر أجنبي» من الهيئة العظيمة. وعلى الرغم من صَيحات وكِتَابة كثيرين عن تدليس الهيئة العامة للاستثمار، استمرَّ مُحافِظها يجوب العالم شرقاً وغرباً ليبشرهم بمملكة الاسـتثمار. وفجأة، تُعلَن نتائج الناجحين في «الشهادة العامة»، دون ذِكر اسم معاليه، وبالتالي يُسدَل السِّتار الأسود على مسرحية مؤلمة مُكلِفَة على الوطن واقتصاده، استمرت ثماني سنوات عِجَاف، في ظِلّ واقِع مؤلِم يَشهَد بأنَّ هذه المسرحية كانت «مُقزِّزَة» من بداية فَصلها الأول، لأنَّ الجميع اعتقد بأنَّ «الرَّجَّال واصِل».

الحالة الرابعة من فوبيا «الرَّجَّال واصِل»، تزامنت مع مسرحية الهيئة العامة للاستثمار، ألا وهي مغامرات الإدارة السابقة لجامعة الملك سعود، بدءاً بكذبة «جائزة نوبل للمياه»، ومروراً بمشروع سيارة غزال ولعبة تصنيف الجامعات وأوقاف الجامعة التي لم ينته منها حتى الآن ولو مبنى واحد؛ وما بينها من تهميش للكيانات الأكاديمية من مجالس كليات وأقسام أكاديمية وفساد بحثي عبر شراء الأبحاث بطرق ملتوية أو أسماء الباحثين العالميين. باختصار مؤلم، فإنَّ الكرنفال الأكاديمي الإعلامي الذي استمر لأكثر من خمس سنوات لم يكن فقط تحت إدارة وإشراف الإدارة السابقة لجامعة الملك سعود، بل كان يَتشرَّف بمباركة حارَّة من رئيس مجلس الجامعة معالي وزير التعليم العالي آنذاك، الذي كان يَزُفّ البشرى للمقام السامي والوطن عن أخبار القفز البهلواني لجامعتنا على سلالم التصنيفات العالمية، كلما ظهر «موديل» جديد عن هذه التصنيفات.

وفجأة، يختفي معالي «الرَّجَّال واصِل» عن المَشهَد، فتتوقف بشارات وزير التعليم العالي بدخول إحدى جامعاتنا تصنيفاً عالمياً جديداً، وتَصمُت الصُّحُف عن التَّغني بمعزوفات التصنيفات العالمية للجامعات، بل يتوقف «الهياط» الأكاديمي على جميع المستويات تقريباً، وكأنَّ الجميع كان يُشاهِد حفلة زفاف صاخبة طَلَعَ الفجر عليها، فتوقفت.

هذه الكارثة الأكاديمية الإدارية في جامعة الملك سعود، التي ــ للأسف ــ امتَدَّت تداعياتها الخطيرة إلى غالبية الجامعات الحكومية، هي الأخرى لم يجرؤ أي مسؤول على نقل مخالفاتها وكوارثها في حينها إلى الملك عبدالله، رحمه الله، واستمر الصَّمت الإعلامي حول تجاوزات الإدارة السابقة ودعم رئيس مجلس الجامعة (الوزير) بالصَّمت، لا لشيء إلاَّ لأنَّ الجميع جَزَمَ بأنَّ «الرَّجَّال واصِل»!؟.

وما الجديد !؟تُرى ما الذي استَجَد ليَستَوجِب الكِتابة عن هذه المغامرات التكنوقراطية رفيعة المستوى والمؤلمة جداً في التاريخ السعودي البيروقراطي المُعاصِر!؟

الذي استَجَدّ، هو الحديث الدائر هذه الأيام في كثيرٍ من مَجَالِس النُّخبَة عن وزيرٍ أصبح ملء السَّمع والبَصَر المؤلِم، أنَّه يَندُر في تلك المجالس أن تَسمع كلمة ثناء على إنجازات هذا الوزير في منصبين حكوميين سابقين. ومع ذلك، لا يزال معاليه يَصول ويَجول ويَنسِف الأعراف البيروقراطية المالية والإدارية، لا لشيء إلاَّ أنَّ الجميع مُتَفقون بأنَّ «الرَّجَّال واصِل».

ولكن لا بد من قول كَلِمَة حق لهذا «الرَّجَّال الواصِل»، وهي أنَّه أبدَعَ في عمله بالقطاع الخاص قبل انتقاله للعمل الحكومي قبل سنوات قليلة. حيث بدأ بإدارة شركة زيوت نباتية صغيرة، لم يَلبَث أن حَوَّلها إلى إمبراطورية مبيعات السِلَع الاستهلاكية في المملكة. ولكن هناك فرقاً كبيراً جداً بين الإبداع في إدارة شركة والإبداع في وَضع وإدارة خطط تنموية على مستوى الدولة، وخصوصا أن هذه الدولة ضمن مجموعة العشرين!؟

الخطورة الآن مع هذه النسخة الجديدة من «الرَّجَّال واصِل»، تَتَمَثَّل في أنَّ الفرق كبير، بل خطير جداً بين هذا التكنوقراطي الجديد ومن سَـبَقه من تكنوقراطيي «الرَّجَّال واصِل». فالنُّسَخ السابقة من «الرَّجَّال واصِل» كانت تختطف قِطاعها الذي كانت تُديره وتُدَمِّره، أو تتركه قاب قوسين أو أدنى من ذلك؛ على الرغم من تأثير هذا القطاع على قطاعات أخرى ولكن بنسب متفاوتة. مقابل ذلك، فإنَّ النُّسخَة الجديدة من «الرَّجَّال واصِل» لا تزال موجودة.

خُلاصَة القَول، أننا في كل حقبَةٍ سياسية يظهر تكنوقراطي يقوم بمغامرات إدارية ومالية غير مألوفة في الفضاء البيروقراطي السعودي، تجعل الكثيرين يَجزِمون بأنَّ «الرَّجَّال واصِل». لذلك فالغالبية، سواءً من زملائه التكنوقراطيين أو الناقدين والمُحللين، تتركه يَسرَح ويَمرَح بيروقراطياً حتى تَتَكَشَّـف مآسي مغامراته البيروقراطية بعد سنوات، ليَنقضّوا عليه يكشفون سوء عَوراته البيروقراطية التي كانت واضحة للعيان وضوح الشمس في رابعة النهار؛ ولكن لأنَّهم كانوا يجزمون بأنَّ «الرَّجَّال واصِل»، لم يتعرَّضوا له آنذاك، بل إنَّ كثيراً منهم طَبَّلَ وزَمَّرَ له في كل خطوة خطاها معاليه أيام العِزّ.

ونظراً لتكرُّر هذه المغامرات البيروقراطية المُكلِفَة جداً على مَسيرَة تنميتنا، منذ قِصَّة طَيِّبة الذِّكر بترومين، فإنَّنا يجب أن نُحييّ أولئك «الانتحاريين» الأفاضِل من أعضاء أوَّل مجلس إدارة لشركة الاتصالات السعودية، ونَقِف لهم احتراماً وتقديراً على نقل مُخالفات ذلك الوزير للمقام السامي الكريم قبل استفحالها، حيث أعطاه فوراً تأشيرة خروج نهائي.

وهنا نَختِم بســؤالين مُهِمَّين:

الأول: لماذا تَتَكَرَّر حالات «الرَّجَّال واصِل»، حتى أصبحت ظاهرة بيروقراطية بخصوصية سعودية!؟

الثاني: لماذا لم يَتكرَّر موقف مُمَاثِل لتعامُل أعضاء أوَّل مجلس إدارة لشركة الاتصالات السعودية مع رئيس مجلسها معالي «الرَّجَّال واصِل» آنذاك!؟

هذا الأخير هو سـؤال المليون.