ياسين أحمد (لندن)
واصلت قناة «بي بي سي» حملتها على المملكة، التي اتضحت ملامحها بشكل سافر في السنوات الأخيرة، وهذه المرة عبر وثائقي «البوصلة: الإسلام.. الشعب والسلطة»، الذي تم بثه الأسبوع الماضي، وتناول الانقسامات في العالم الإسلامي. وقدمته الإعلامية صفاء الأحمد، التي تناولت في حلقته الثانية «السلفيين»، الانقسام بين من يرون وجوب طاعة الحاكم، والإرهابيين الذين يزعمون الجهاد، ويدعون الاقتداء بالسلف الصالح بحسب تصوراتهم.

وكما هو الحال إزاء كل ما يقدمه مذيعو «بي بي سي»، لم يكن متوقعاً أن تلتزم صفاء الأحمد الحياد، خصوصاً في مثل هذه القضايا الحساسة. وقد أثار موقفها غير مرة تساؤلات وتشكيكاً في ذلك الحياد المفترض، ومن شأن الطريقة التي تناولت بعض القضايا أن تعطي من لا يعرفون السعودية صورة سالبة جداً عن المملكة.

وتأتي أولى النيات السيئة لها في استهلال الأحمد للحلقة المذكورة بالزعم بأن «الوهابية، أو تعرف بوجه أدق بالسلفية هي نوع شديد التقشف من الإسلام يأتي من السعودية». لو كان معد ومقدم هذا البرنامج الوثائقي بريطانيا، أو عربيا أو مسلما من أي دولة أخرى لعذرناه لجهله بالسعودية، وبطبيعة إسلام أهلها، ولكن أن يصدر ذلك بحق السعودية عن صفاء الأحمد فالأكيد أنه ليس مصادفة، بل هو استمرار للحملة التي تقودها ضد المملكة!

وفي معرض سعيها إلى إظهار الانقسام بين الجهاديين العنيفين الذين ينبذون العنف، أجرت الأحمد مقابلة مع متحدث باسم فصيل «أحرار الشام»، اختارت بعناية شديدة ما يناسبها من إجاباته. وقال المتحدث: إن بشار الأسد فقد شرعيته لاستخدامه العنف بشكل مفرط، وإن العنف الذي تستخدمه «أحرار الشام» ليس ببساطة سوى رد على الواقع العسكري. فذكرت له أن أشخاصاً كثيرين لديهم تساؤلات بشأن «أحرار الشام» لأنهم يقاتلون جنباً إلى جنب «القاعدة»، فرد عليها المتحدث بأنهم ليسوا «جهاديين سلفيين»، ولا يؤمنون باستخدام القوة لفرض طموحاتهم السياسية، وبأن مشروعهم وطني فحسب، وليس عالمياً كما لدى «القاعدة» و«داعش». كما أنهم لا يدعون انفراداً بتفسير الدين.

واتبعت الأحمد ذلك بمقابلة أجرتها مع شاب مصري من السلفيين، ذكر أن النصوص الإسلامية تقول إننا يجب أن نطيع الحكام في جميع الحالات، وألا نشارك في الديموقراطية. فسألته: هل النظام السعودي مثالي، فردّ بالإيجاب. فعمدت إلى محاولة إيجاد تناقض في السياسات السعودية، مفادها أننا ضد جميع أنواع الانتفاضات، لكننا مع ذلك نساند الثوار السوريين. وسألته: هل ذلك لأن بشار الأسد شيعي، ولذلك لا يعتبر مسلماً؟!

ولم تذكر الأحمد أن المملكة حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه وحاولت احتضان بشار، ومساندته، حتى بدأ يتخذ الوضع شكلا إجراميا عندما بدأ يذبح شعبه بلا تمييز. وتلت ذلك باستضافة السياسي المصري محمد عقدة الذي بدا متشائماً حيال دور السعودية في حماية السوريين، ومناصرتهم في تحقيق الإنصاف، زاعماً أن ذلك غرضه خدمة صورة السعودية فحسب، وهدفه الحقيقي تحدي إيران. أي أن السعودية عنده مدانة في كل حال! رغم أن العالم يعرف بأن إيران هي من تستهدف المملكة ودول الإقليم بسياساتها الإجرامية، وسعت الأحمد إلى شرح تعليمات الشيخ محمد بن عبدالوهاب واصفة إياها بـ«الأصولية»، مقارنة ذلك بما تعتبره «شِرْكاً». وذهبت إلى أنه قطع شجرة مقدسة، وحطم الأضرحة، وأنه نصح بألا نؤمن إيماناً أعمى بالعلماء الفاسدين الذين انحرفوا عن النصوص المقدسة. وبلغت الأحمد ذروة مسعاها لعزل السعودية عن بقية المسلمين بادعائها أن «تلك الأفكار التي تبناها السعوديون تمثل أقلية داخل الإسلام السني». وعلى صفاء الأحمد أن تسأل نفسها: ما الذي يجعل إسلام السعوديين مختلفاً عن بقية مسلمي العالم؟ فقد صورته وكأن غالبية المسلمين لا يزالون يتبعون البدع التي سادت قبل مجيء الشيخ محمد بن عبدالوهاب. والأكثر من ذلك أنها صورت الأمر وكأن «السلفية الوهابية» تمثل تجديداً للإسلام، كأن المسلمين لم يتعلموا منذ صغرهم أن سيدنا إبراهيم عليه السلام رفض الأوثان، ورفع صوته بعقيدة التوحيد.

ومن المفارقات أن ممارسات الشرك التي دمرها الشيخ محمد بن عبدالوهاب هي التي تمارسها أقلية تعرفها صفاء الأحمد جيداً. ولا بد من تساؤل يوجه إلى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن سبب انقلابها على حيادها المفترض، في وقت تسهِّل فيه لمغرضين تقديم تفاسير للإسلام متحاملة ومنحازة ودافعة للانقسام. ولعل الهيئة تدرك مدى ارتياب المسلمين في أغراضها الخفية من تناول الإسلام وعقائد الناس. فهل يجدر بها إزالة ذلك الارتياب أم تأجيجه؟

وأخيراً.. تناولت الأحمد الاضطرابات الأخيرة في مصر من منظور السلفيين، وأنحت باللائمة على السعودية، بداعي أنها سبب تنامي عدد السلفيين الرافضين للعلماء، الذين يفسرون النصوص الدينية بما يروقهم، لكنها لم تقدم أي دليل على تلك الاتهامات الخطيرة.