على مدى نصف قرن تعرضت إيرادات الدولة لتقلبات حادة، فبينما ارتفعت بدءا من عام 1973م إلى أن وصلت لأعلى مستوياتها عام 1981م (368 مليار) نجد بأنها سرعان ما بدأت رحله التراجع وبنفس الدرجة من الحدة أيضا عام 1986م عندما وصلت إلى 76 مليار فقط؛ بمعنى أنها تراجعت أكثر من خمسة أضعاف قيمتها خلال خمس سنوات فقط، ثم عادت في الدورة النفطية الثانية لتشهد زيادة مطردة اعتبارا من عام 2003م عندما وصلت إلى 673 مليار، ومن ثم لتبلغ ذروتها عام 2014م بـ 1100 مليار ريال وهو الرقم القياسي المسجل في تاريخ الميزانيات السعودية، ثم عادت أدراجها في رحلة الهبوط المعتادة مرة أخرى، بدءا من عامي 2015/‏ 2016م وهكذا كانت حال هذه التقلبات المالية، فكيف والحال هذه أن نؤسس لخطط وبرامج ومستوى عيش ورفاهية مستدامة في ظل مثل هذه التقلبات الحادة وفي ضوء تزايد الاعتماد على المصدر الواحد فقط؟

وليت هذه الإشكالية توقفت عند تذبذب إنفاق الدولة فقط بعد ما أصبحت الميزانية مع الزمن مصدرا وحيدا أو شبه وحيد لتحريك النشاط الاقتصادي برمته، ومحركا أساسيا للتنمية الاقتصادية ككل بعدما أصبح هذا الإنفاق الحكومي يشكل قوة الدفع الأساسية للقطاع الخاص الذي ظل يسير معه كظله، إذ شكل بين عام 1975م-1992م نسبة تراوح بين 40-50% من الناتج المحلي ثم عاد لينخفض إلى 30% بين أعوام 1993م-1999م ثم ليستقر عند حدود 37%، ثم معاودة الارتفاع مرة أخرى على إيقاع ارتفاع أسعار النفط ليصل إلى ذروته عام 2014 م وهكذا، خصوصا أن هذا الإنفاق الحكومي ظل أهم المصادر لتكوين رأس المال الثابت وبنسبة تصل أحيانا إلى 50 % وهي نسبة عالية جدا تدل على ضعف مكونات الاقتصاد المحلي، وتبعا لهذه العوامل مجتمعة تذبذبت كل المؤشرات الاقتصادية الأساسية للبلاد، فعلى سبيل المثال تفاوتت نسبة النمو الاقتصادي خلال الفترة من 2000 - 2015 من 1% - 7.5 % وهو تفاوت حاد وخلال فترة قصيرة جدا، كما أن نسبة الصادرات غير النفطية أصبحت تسجل نموا بالسالب على مدى الثلاث سنوات الأخيرة بلغت عام 2015 (44%) بالسالب طبعا وللأسف فإن مثل هذه التذبذبات الحادة في الإيرادات المالية وما يترتب عليها من مؤشرات اقتصادية أساسية لم تقل على مدى نصف قرن، بل ظلت تتزايد ويرتفع منسوبها بشكل مطرد رغم كل هذا التجارب المريرة التي مررنا بها، في حين أن معظم الدول (من بعدنا) استطاعت تحقيق تقدم إستراتيجي في سلة مواردها المالية، رغم كونها لا تمتلك كل هذه الموارد الخام ولا كل هذه المزايا النسبية ولا فرص التعددية الاقتصادية.. فأين كانت المشكلة إذن طوال نصف قرن؟ وهل يعثر مجلس الاقتصاد والتنمية على هذه الحلقة المفقودة؟