الأقدار والأحداث والتراكمات التاريخية شاءت أن يسلك المثقف صاحب السلطة خطين متوازيين لا يلتقيان. إذ إن السلطة تعني إحكام القبضة وتعزيز وجودها. ومنع كل ما من شأنه تعكير المزاج العام. في حين يجنح المثقف إلى مناصرة البسطاء. ويدعو لإقامة العدل بصورة مثالية. وانتشال المجتمع من الفقر والجهل. وحفظ حق الإنسان. وتظل الحكومات واقعية. بينما المثقف خيالي وحالم. ولو حاول المثقف أن يكون واقعيا لفقد أبرز خصائصه. ولو ذهبت السلطة إلى الأحلام والخيالات لسقطت دول وممالك.

لم يكن شعراء الصعاليك محظوظين مع مجتمعاتهم. تمردوا على سلطة القبيلة فتم نبذهم. واختاروا الانتصار لأنفسهم على طريقتهم. وفي صدر الإسلام ظهرت نماذج تمرد المثقف على السلطة. وكذا بقية العصور. ولم تكن السلطة تقف موقف المتفرج، بل كانت تنعت هؤلاء المتمردين بصفات تسقط مكانتهم الاجتماعية. وتبطل رهان المجتمع عليهم. في حين تعتمد لاحقا المحاكمة وإنزال العقوبات.

عند العودة لمصطلحات كالصعلكة والزندقة. نجدها مرتبطة تاريخيا بنخبة مثقفة ترى أن واجبها الأخلاقي يقتضي أن تصطف في مواجهة تجاوزات من بعض السلطات. لتغدو الزندقة أيضا والصعلكة سلطة ويتحول المقموع إلى قامع. وليست كل سلطة مظنة الذم والتجاوز؛ إذ إن هناك سلطات ضربت أروع الأمثلة في الاحتفاء بمكونات المجتمع وفي مقدمتهم النخبة المثقفة.

أحد الزعماء العرب المعاصرين ضاق ذرعا بشاعر صعلوك فوصفه بالبذيء ثم أدخله السجن. إلا أنه كان يوصي حاشيته برصد كل ما ينشر وعرضه عليه. وكان يستمتع بما يكتب ويردد (ده عفريت). ولعل نزار قباني هو من قال (يلعنني البعض في وسائل الإعلام ويقرأ أشعاري). ما يعني أن السلطة تنظر إلى المثقف نظرة إجلال واحترام وإن كان غير معلن. وهي تسعى لاستقطابه قدر إمكانها. وربما لا تتعمد الإساءة لمثقف حتى وإن خرج على النص. كون السلطة تحتاج إلى كل أوراقها. وهي تسكت عما يمارسه المثقف في الخفاء إذا سكت المثقف عما تمارسه السلطة في العلن.

وليس من باب التملق أن أقول إن بلادنا لم تسئ لمثقف. بل كانت حفية به حتى عندما يصدر بحقه حكم قضائي. خلافا لسلطات عربية مارست أبشع أنواع التنكيل بمثقفي بلادها. علمي وسلامتكم.