بعد سخرية مراهق من صورة عامل نظافة آسيوي عجوز يتأمل أطقم الذهب من خلف زجاج محل مجوهرات، بدأ الكثير من المواطنين بالبحث عن العامل صاحب الصورة والتبرع له بأطقم من الذهب في رسالة تضامن مع العامل العجوز، وهذا مؤشر جيد على وعي المجتمع يدل على تقدير أصحاب المهن البسيطة، واستهجان نبرات التعالي الفارغة.

ولكن في الوقت ذاته فإن العامل الآسيوي الذي أمضى سنواته مهمشا يلقي السلام على المارة فلا يكاد يرد عليه أحد سوف يصاب بالصدمة بعد أن فتحت أمامه مغارة علي بابا وانهالت عليه أطقم الذهب من كل مكان، وقد يحتار في شأن هؤلاء القوم الذين أظهروا في لحظة مفاجئة محبة غامرة لم يشهد ربع ربعها طوال السنوات التي قضاها يكنس الشوارع ويرفع أكياس القمامة من أمام البيوت والمحلات.

هذا التفاعل السريع مع صورة العامل سوف ينتهي خلال يومين ولكنه لا يسري على بقية العمال الأشقياء.. لأنه كان تفاعلا عاطفيا بالأساس والعاطفة ليست سيئة أبدا، بل هي دليل على بقاء الرحمة في قلوب البشر ولكنها لا تصنع سلوكا عاما كما يفعل الوعي، وهذا ما نحتاجه بالفعل من خلال التأكيد على أهمية تقدير ما يفعله الآخرون لنا مهما كان بسيطا، وأن هؤلاء الوافدين الذين جاؤوا إلينا من مشارق الأرض ومغاربها هم شركاؤنا في الأنانية أولا وشركاؤنا في بناء وطننا ثانيا، وهذه قيم لا يمكن أن تتحول إلى سلوك عام ما لم يتم الالتفات لها في مناهج التعليم ووسائل الإعلام، إضافة إلى دور الأسرة في إبعاد أبنائها عن الأمراض العنصرية والسلوكيات الفوقية التي لا تليق بأي إنسان متحضر متعلم يؤمن أن الله هو مقسم الأرزاق، وأنه في لحظة ما يمكن أن يكون مكان الشخص البسيط يراقب أخلاق الناس الذين يمر بعضهم دون أن يحسبه شيئا.

بارك الله في كل من تعاطف مع عامل النظافة العجوز.. ولكن الشخص الذي بإمكانه أن يقدم ما هو أكثر من الذهب هو الأب الذي يحث أبناءه على تقدير الناس دون النظر إلى مهنهم أو جنسياتهم أو أصولهم، وهو المعلم الذي يزرع في نفوس تلاميذه مبدأ احترام الإنسان لإنسانيته وتقييمه وفقا لسلوكه وأخلاقه وليس وفقا لما يملكه من أموال أو نفوذ.