المخدرات تحاربها الأجهزة المعنية بالمكافحة ومنع التهريب والتوعية والعلاج، لكن مع الإهمال الأسري كاد الإدمان يكون قضية المجتمع المنسية، بعد أن انشغل باهتمامات مادية وأولويات ليس بينها الوقاية من شرور، أول ما تنفذ منه هو الغفلة.

إلى زمن ليس بعيدا كان تدخين المرأة أو جهرها به أمرا مستهجنا، واليوم أصبح عاديا في بعض الأماكن العامة كحرية شخصية وإن كانت من خلف ستار، وبشكل عام ازدادت ظاهرة التدخين في المجتمع من الأجيال رغم حظره في أماكن كثيرة وارتفاع أسعاره، لكن يظل إدمان المخدرات الأمر الأخطر الذي يجب أن يستنفر وعي الأسرة والمجتمع.

حملات التوعية تكاد تكون غائبة في الإعلام وحتى الدعوة ولا تكفي في التعليم، في الوقت الذي يلقي فيه هذا الخطر بشباكه عبر الوسائل الإليكترونية، وهذا يثير تساؤلات مؤلمة لدى أي أسرة يتعرض أحد أفرادها لهذه المحنة: متى وأين وكيف يحدث السقوط في بئر الإدمان، وتصبح الأسرة أمام خيارات صعبة في واقع أصعب تريد الخروج منه ما بين عنف ومشكلات وخوف من الضياع، وبين سبيل للعلاج لامفر منه كطريق للسلامة.

أسباب الإدمان كثيرة وربما جاء من سوء استخدام أدوية وعقاقير، وبقية القصة معروفة عندما لا يعدم المدمن الحيلة مع أصدقاء السوء وعصابات الترويج، أما الجديد والأخطر فهو الترويج عبر شبكات التواصل ضمن سلسلة جرائم بداية من النصب والاحتيال مرورا بالابتزاز وصولا إلى المخدرات، ناهيك عن جماعات الفكر الضال الإلكترونية، وكل من تلك الجرائم تقف خلفها عصابات وجماعات منظمة مدمرة للحياة والأفراد وتستهدف المجتمع وتشغلهم تجارة بأعراض ونفوس وأموال وأرواح البشر.

في كل مشكلة أو انحراف فتش عن الأسرة في إهمالها وضعف ترابطها وانحسار دورها، ولا توقظها إلا صدمة قاسية ومؤلمة عندما تحترق بنار الخطر، فإدمان شاب أو فتاة أو أب أو أم، أيا كان المدمن، يعني وقوع خطر ليس فقط عليه إنما يمتد إلى المجتمع، فكما أن المدمن ضحية لآخرين أوقعوه في شباكهم، هو أيضا قد يصنع دائرة جديدة من الضحايا وأصدقاء سوء، ويظل المدمن يعاني من سموم المخدرات حتى ينهار وربما يجرم في حق نفسه وأسرته إذا لم يُعالج.

لا يوجد مجتمع خال من انحرافات ومنحرفين وجرائم ومجرمين، لكن دائما هناك الصالح والطالح، المهم هو بقاء الخير وتعميمه وانتصاره وتدفقه في الأسرة والمجتمع والقدرة على التمييز بين الطيب والخبيث، وهذا هو التحدي في التكاتف لنشر الفضيلة وتعميقها في سياق الحياة. لذلك أعود وأقول إن الأسرة هي الأساس في التربية والتنشئة والوقاية والخطوة الأولى للعلاج، وهذه مسؤولية ليست سهلة ولا بسيطة ولا تحتمل الغفلة والإهمال تجاه الشرر والخطر.

زمان كان المجتمع بخير أكثر لأن المكون الأساس هو الأسرة والحارة ضمن سياق واحد معروف، ولا يجرؤ منحرف بالجهر بالسوء إلا ما ندر، لكن في زمن العولمة وثورة التواصل والعالم الافتراضي لم تعد منظومة العلاقات والتأثير قائمة على مفهوم الدار والجار والهيبة المجتمعية في المكان الواحد، إنما يشكلها تواصل إليكتروني وهمي لا يغذي سوى الأنانية والسرية باسم الخصوصية، وصداقات لا معنى لها من مجهولين ومتلونين ومخادعين، باستثناء من نعرفهم ونعتز بهم في الحياة ويجمعنا بهم تعارف إلكتروني حميد وصالح ومفيد. وتظل التوعية والتحصين مسؤولية الجميع والوقاية خير من العلاج.