التاريخ الذي شهد إعلان قيام مجلس التعاون الخليجي كان تاريخا عاصفا في المنطقة؛ الثورة الإيرانية تلتهم الجار الإيراني وتقيم نظاما طائفيا تؤكد كل مظاهره أنه سيشكل خطرا على المنطقة، كان ذلك في العام ١٩٨١، وبعد ذلك التاريخ بسنوات يسيرة جاء الإعلان عن إنشاء قوات درع الجزيرة لتمثل ذراعا عسكريا للمجلس ولتعلن للعالم أن الأمن والاستقرار في دول المجلس بات مسؤولية مشتركة وأن تعريف التهديد الأمني يشمل أي خطر تواجهه أي دولة مِن دول المجلس.

من ذلك التاريخ والحديث عن الاتحاد يبدو رومانسيا نوعا ما، وفي الواقع فإن دول الخليج كانت تتلمس طريقها نحو المستقبل وبناء الذات وصناعة تجارب تنموية واقتصادية متنوعة خاصة وبناء تجاربها السياسية المتنوعة كذلك.

كان الحضور الأمريكي في المنطقة ثابتا وواضحا وقويا وكان العام ١٩٩٠ حينما أقدم صدام حسين على ارتكاب الخطأ التاريخي بغزو دولة الكويت أضخم اختبار للمجلس ولقد نجح فيه باقتدار. وظلت العلاقة الأمريكية بدول المنطقة والتحالف القائم وثيقة للغاية، ذلك الواقع كان يبرر خفوت الدعوة إلى الاتحاد، خصوصا أن المجلس ظل يعمل بنشاط في ملفات اقتصادية وأمنية وإستراتيجية كبرى.

في العام ٢٠١١ كانت الفوضى أبرز سمات المنطقة، من تونس إلى مصر إلى سورية، وظهر أن للحليف التقليدي للمنطقة رأيا في كل ذلك، وشجعت الفوضى والاضطرابات إيران أن توسع عملياتها الطائفية والميليشياوية في المنطقة، أدار الخليج العربي تلك المرحلة بكل اقتدار وإيمان بالمصير المشترك، كانت البحرين اختباره الحقيقي والبلد الذي أخذ يتعرض لتهديد أمني حقيقي، الحليف التقليدي الذي خذلنا بتراجعه في المنطقة وفي فهمه للفوضى التي عمت المنطقة لم نكن بحاجة لاستشارته حين كانت الأوامر تصدر لقوات درع الجزيرة لتعبر جسر الملك فهد إلى البحرين ولتقدم إمدادا ودعما للقوات البحرينية في مواجهة الجماعات الطائفية المستترة تحت شعار الثورة والتغيير، علقت يومها هيلاري كلينتون حين كانت وزيرة للخارجية الأمريكية على دخول قوات درع الجزيرة للبحرين ووصفت الموقف بأنه تصرف أحادي، رد الأمير سعود الفيصل، رحمه الله، بقوة تكشف أن حليفنا يستعد للانسحاب ولديه من المواقف والرؤى ما لا ينسجم مع حلفائه ويزيدهم إحباطا. شهدت تلك المرحلة أبرز الأطروحات الجادة لانتقال المجلس من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد.

جاء الاتفاق النووي الإيراني ليمثل أكبر تأكيد على ذلك الواقع الجديد، فيما انشغلت السعودية والخليج بالحزن الذي خيم عليها إثر رحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، كانت العيون الحزينة أيضا تراقب بكل استعداد ما يجري حولها، لم تمر إلا أيام يسيرة حتى كانت المقاتلات السعودية والإماراتية تنتصر للشرعية اليمنية وتدك مواقع ميليشيا الحوثيين وقوات صالح بعد أن استولت على السلطة واحتلت العاصمة صنعاء بقوة السلاح.

لقد كان تحالف عاصفة الحزم لحظة تتويج كبرى لوحدة الخليج ومصيره وإيمانه أن الواقع لا يمكن مواجهته إلا بالإعلاء من التحالف قيمة وواقعا وبقوة ووضوح أمام العالم، بعدها كانت صور الزيارات المتبادلة واللقطات العفوية التي تظهر قادة دول المجلس معا تمنح المواطن الخليجي مزيدا من الثقة ومزيدا من الإيمان بالمصير الواحد.

الواقع الحالي الذي وصلت إليه المنطقة يدفعنا باتجاه الاتحاد، فلم يعد لدينا عراقنا العربي المنيع، وانتهت سورية تحت وطأة العنف وجرائم النظام، واليمن جنوبا يمثل أبرز مشاريعنا الأمنية الإستراتيجية التي نعمل فيها جميعا، والحليف يتحول من مرحلة إلى مرحلة جديدة والتحديات الاقتصادية في تزايد مستمر، والتآلف الاجتماعي والسياسي بين دول المجلس في تصاعد ملفت، هذه إذاً المؤهلات الكبرى واقعا ومستقبلا لأن يكون إعلان الاتحاد هو الثمرة الأبرز لكل ذلك التعاون، وهو الرد الأبرز على كل التحديات التي تواجه المنطقة. وسواء تم ذلك بكل دول المجلس أو بامتناع إحدى دوله فإن ذلك لا يشكل أي عائق لقيام هذا الاتحاد. فهل ستكون الأخبار العاجلة الواردة من البحرين يومي السادس والسابع من هذا الشهر تحمل هذا العنوان؟ لم لا.