بدأ موسم المطر الذي يغسل الأرواح ويعدل الأمزجة وقريبا سوف تبدأ الحكايات نفسها التي تتكرر كل عام من مبانٍ كلفت الملايين تغرق في شبر ماء، ومن مغامرات خطرة لشباب يخترقون السيول الجارفة بسياراتهم، وغير ذلك من الحكايات التي تتكرر كل عام للأسف الشديد، وبالطبع سوف تبدأ النزهات البرية الشبابية والعائلية في هذه الأجواء الربيعية باعتبار أن البر لايزال أكبر هيئة ترفيه شعبية مجانية، وهنا نعود إلى الحديث ذاته حول أهمية الحفاظ على البيئة وعدم تدمير جمال الصحراء بمخلفات رحلة لا تتجاوز مدتها ساعتين ويستمر ضررها مئات السنين، هذه الصحراء هي التي احتضنت أجدادنا وسيرثها أبناؤنا من بعدنا، وهي أمانة في أعناقنا، ولا أعلم حقا كيف نتغنى بحب الوطن وعشق الحياه ونحن نتهاون في أقل الواجبات تجاه وطننا وحياتنا، ونحن ندمر بيئتنا بكل استهتار، ليتنا نقوم بهذا الواجب البسيط جدا قبل أن نتناول فنجان القهوة ثم نبدأ النقاش حول كيفية إصلاح العالم.

**

في زمننا هذا لم يعد بالإمكان إخفاء أي شيء في ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعي، وأظنكم شاهدتم بعض الفيديوهات القادمة من دول خليجية شقيقة يظهر من خلالها هشاشة البنية التحتية في مواجهة زخات المطر.. وقد يتساءل البعض لماذا لا نشاهد نقدا قاسيا أو فضحا للفساد مماثلا لذلك الذي نجده عندنا بعد كل موسم أمطار؟.. وهذا من وجهة نظري سؤال غير مفيد؛ لأننا متى ما امتلكنا القدرة الكافية للنقد فنحن بخير وقادرون على تصحيح أخطائنا، أما من يخبئ مشكلاته تحت سجادة أنيقة طوال الوقت فسوف يأتي يوم تهب فيه الرياح وتطير السجادة ويظهر جبل المشكلات الذي لا يمكن إزاحته عن الطريق.

**

تمر السنين بكل لحظاتها الحلوة والمريرة ونتذكر بين وقت وآخر كارثة سيول جدة التي وضعتنا في مواجهة مباشرة مع طوفان الفساد.. ثم نعود لنتذكر تلك المحاكمات الطويلة التي لم تشفِ الغليل بعد، ولم تصنع تغييرا مؤثرا في الأمر الواقع، فندرك أن الغرق في سيل الكلمات الرنانة الخالية من الأفعال أشد خطورة من الغرق في مياه الأمطار!