الخفة هي نوع من عدم الاتزان في القول أو السلوك، وهي عيب قديم صاحب الإنسان أو بعض أبناء آدم على وجه الدقة، وكانت الخفة ترتبط بالدهماء من الناس، وإن حصل أن ابتلي بها صاحب منصب أو مكانة اجتماعية أو علمية أو أدبية، فإنها تقدح في مكانته مهما علا شأنه وبرع في مجاله، ولكنها في هذا الزمن أصبحت تمثل ظاهرة اجتماعية واسعة النطاق، ولعل انتشار وسائل التواصل واستخدامها من أصحاب «الطاسات الخفيفة» واستحسان جمهورهم لما يقدمونه لهم من مواقف وجمل وصور وحركات سمجة لإضحاكهم، أدى إلى تأثر بعض المحسوبين على المسؤولية والنخبة من تلك الموجة من الممارسة المركزة للخفة وعدم الاتزان قولا وفعلا، وبدل أن ينأوا بأنفسهم عن سلوك يستهجن حتى عندما يصدر من الدهماء، ويعلموا أن مواقعهم ومناصبهم لا تسمح لهم بمثل هذه الممارسة حتى لو وجدت استحسانا من قبل الجمهور المشجع للخفة وأهلها، فإن بعضهم انخرط في تصرفات أو عبارات لا تدل على أي اتزان، لعله يحظى بمتابعين ومعجبين ومصفقين، وهذه من نوازل العصر والآثار السلبية للأجهزة الذكية التي وجدت من يتعامل معها بخفة أو بطريقة غبية، وكان يفترض من النخبة سواء كانوا كتابا صحفيين أو من ذوي الهيئات أن يكونوا قدوة للمجتمع في جميع تصرفاتهم فلا يصدر عنهم ما يخدش لهم سمعة أو يجعلهم موضع نقد ومساءلة وإلا فما الفرق بينهم وبين «بشكة الغجر» ممن أصبحت الأجهزة الذكية في أيديهم أدوات لهو وسماجة واستخفاف بالقيم، بل وربما أمست أداة لنشر الساقط المبتذل من القول أو العمل أو الصور الخادشة للمروءة والحياء!

وأخيرا فلقد كشفت هذه الأجهزة المعادن الرخيصة وعرت تماما بعض الذين كانوا يتظاهرون بغير أخلاقهم الحقيقية من الناس، حيث كانوا يمارسون في الخفاء ما ينهون عنه غيرهم في العلن، ولو تجنبوا كشف أنفسهم لكان خيرا لهم لأن المجاهرة بالأخلاق الرخيصة تعد قمة في الوقاحة والجرأة على الحق، أما من فضحت وسائل الاتصال خفتهم وضحالة فكرهم من ذوي الهيئات والمناصب فحسبهم أن العديد منهم قد دفع ثمنا غاليا لخفته.. والباقي في الطريق!