تكدّست غيومُ الشتاء على القرية. وشدّت السبرة محزمها الزمهريري. استكن الناس داخل بيوتهم. وتصاعدت سحب الدخان من الكتر والأبواب. لترسم في الفضاء لوحات تشكيلية. وتستمطر دموع الصغار. فيما تترك أثرها الفاحم عالقا في خشب السقف.

كحكح الصغير من رائحة العرفج المشتعلة بين عودين قرض. انفعل على اخته الكبرى (دحسها بكوعه في جنبها. وقال حشرتيني الله يحشرك). نظرت إليه نظرة عتب. لكنها لم تفه بكلمة. سحب الشايب المطرق من تحت مفرشه وشطّه في كتفه. (أح) صاح وهو متجه للباب يفرك موضع اللسعة. وخرج فوق الجناح لينفس ألمها بقليل بكاء.

أصبح الأب أرملَ منذ عامين. حاول البعض إقناعه بالزواج إلا أنه خاف سطوة العمة على الصغار. وكان يرد على المشيرين «فكّوا عني. اغدي آخذ لي فتنة مع آخر عمري». سمع المؤذن ينادي «صلوا في رحالكم» انفرجت أساريره. وقال «الله يفرّج عنك. مثل ما فرّجت عنا. خلّنا ننتسم من طغاطغ المساريب».

اقترب من الطشت المخصص لقطار القربة. مسح وجهه بالماء. وغط قدميه. تلا ما تيسر من الفاتحة. وما حفظ من قصار السور. جمع الفرضين. وعاد إلى الحدة. كانت النار تبعث الدفء والحياة. دعا الصغير لتغميزه. فتح جيب الكمر. مدّ له بربع ريال رضوة. دسّها في جيبك. ولا حد يشوفها. بكرة اشتر اللي نفسك فيه من دكان ابن عياش. نشط الصبي في التغميز. وعلت وجهه ابتسامة.

يا أهل البيت «ردّ» ارحبوا زلوا. الرحيم في يده (بكرج) حليب بالزنجبيل ملفوف في منشفة. والأخت تحمل قدرها. قالت سويت عشانا عيش وما يهناني آكل أنا وزوجي وآخي جنبنا. ردّ عليها «وافية يا محزم جنبي. يا بنت أمي وأبوي». قام إلى العكة. فك الوكاء. وغمر العيش. تناول الأربعة العشاء. وشربوا الحليب. ارتد البطانية على قدميه وقال حيّك أبو سعفة وأردف: صدق من قال «الدفا نص المعوشة». قال رحيمه «لو تزوجت بنت حلال كانت أدفأ من بطاطين أبو سعفة. أجاب «لا طري لك فايق فارع من دونه» علمي وسلامتكم.