بعد مائة عام أو ربما أكثر سيتناقل الناس قصة قوم أعطاهم الله ثروة غير متوقعة لا تكلفهم أدنى جهد تمثلت في البترول الكامن تحت باطن الأرض فأصبحوا أغنى الأمم على وجه الأرض حيث تضخمت أرصدتهم بمختلف العملات والمعادن الثمينة، وربما لأن هذه الأموال الهائلة جاءت إليهم بأسهل الطرق وأقلها كلفة وجهدا فقد بحثوا عن أسهل الطرق في الاستثمار وأقلها جهدا فتفتقت أذهانهم عن تحويل أموال النفط إلى رمال!.. نعم لقد حولوا الذهب إلى رمال بدلا من أن يفعلوا العكس.. وهكذا لم يشيدوا المصانع ولم يعمروا المدن السياحية ولم يفعلوا أي شيء يذكر باستثناء شراء مساحات هائلة من الأراضي أو الحصول عليها بالمجان وتحولت ملايينهم بل ملياراتهم إلى أراضٍ فارغة وتسابقوا في هذا المضمار حتى كادت المساحات تنتهي في صحرائهم الشاسعة.

ولأن أموال النفط كانت تستمر في التدفق كانوا يتبادلون البيع والشراء في هذه الأراضي الجرداء بينما يحرص البعض على ادخارها لأحفاد أحفاده وهكذا أصبحت أسعار الرمال في ديارهم توزن بالذهب والألماس، ويوما ما تراجعت أسعار النفط إلى أدنى المستويات وعانت خزائنهم من شح المدخول فعادوا إلى مدخراتهم الرملية الهائلة كي يبيعوها فكانت الصاعقة أن الرمال بدأت تعود إلى سعرها الحقيقي ولم يتحول التراب إلى ذهب كما يظنون بل عاد ترابا بلا قيمة لأن المشترين الافتراضيين لم يعودوا يملكون الذهب والدولارات وكل ما لديهم هو التراب مثلهم مثل من يفكر بالبيع!.

هذه القصة الحزينة العجيبة التي قد تتحول إلى مرويات شعبية في يوم من الأيام نعيش أغلب فصولها اليوم وقد خطرت في البال حين قرأت خبرا عن تهديد الحكومة التركية لبعض المستثمرين السعوديين بسحب الأراضي البيضاء التي يمتلكونها ما لم تتحول إلى مشاريع حقيقية وهو الإجراء ذاته الذي يمكن أن يحدث لمستثمر يسور أرضا حيوية دون أن يطورها في دبي، بينما نحن لا زلنا حائرين في كيفية فرض رسوم على الأراضي البيضاء ونتردد ألف مرة في سحب الأراضي التي منحت بالمجان للبعض دون أن يطورها.. تأملوا في قصة أولئك القوم الذين حولوا الذهب الأسود إلى تراب وأضيفوا لها بعض البهارات فقد يدور الزمان دورته الموجعة فتحتاجون روايتها لأحفادكم !.