رسالة الاعتذار التي نقلها تيّم ليندر مساعد وزير الخارجية الأمريكي إلى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي بشأن تصريحات كيري وزير الخارجية عما أسماه اتفاقا لوقف إطلاق النار وحدده بالسابع عشر من نوفمبر الجاري، تكشف أن أسوأ التحركات هي تلك التي تتم في اللحظات الأخيرة والتي تمثل بحثا عن أي انتصار حتى لو أودى لمثل هذا الموقف المحرج للخارجية الأمريكية ولما تبقى من سياسة فريق أوباما في الشرق الأوسط،

وفي الواقع فإن كل قضية من القضايا في المنطقة تحتاج إلى رسالة اعتذار خاصة بها من قبل واشنطن لتطوي المنطقة بذلك أسوأ فترة في علاقة أمريكا معها وعلاقتها مع أمريكا ولتستقبل المنطقة واقعا جديدا على إيقاع وصول الرئيس المنتخب دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

ست سنوات من الخراب والقتل والتدمير في سورية ونزاع مستعر منذ سنوات في ليبيا ورغم ذلك لم يشهد أي من الملفين تحركا بذات السرعة التي تحرك بها الوزير كيري في الأسبوع الماضي، نظر كيري حوله عن أبسط الملفات وأقلها تعقيدا فوجد الملف اليمني، وسهولة الملف اليمني أنه واضح وأطرافه واضحة وقضيته المركزية واضحة؛ ميليشيا تتحالف مع رئيس مخلوع ثار عليه الشعب وتسعى للسيطرة على البلاد بقوة السلاح فتتجه الحكومة الشرعية لتطلب تدخل الأشقاء فتؤسس المملكة تحالفا عربيا استطاع تثبيت الشرعية وإعادتها وتحرير ما يقارب 90 % من الأراضي اليمنية.

ولعل من أبرز أسباب وضوح الملف اليمني وبعده عن التعقيد هي أن الملف بأكمله تمت إدارته من قبل القوى المؤثرة في المنطقة وعلى رأسها السعودية، وهو ما حمى الملف من أي دور أمريكي مباشر ومؤثر لم يكن ليؤدي سوى للكثير من التعقيد والتشويش على القضية بأكملها.

سيترك كيري منصبه وهو يحمل سيرة ذاتية مليئة بالعثرات والفشل والإخفاق في تحقيق أي انفراج أو سلام في المنطقة وهي ذات السيرة الذاتية التي ستتماثل نسخها لدى كل فريق أوباما السياسي ولدى أوباما نفسه أيضا.

وما يحدث في معركة الموصل للقضاء على تنظيم الدولة ليس سوى جانب من تحركات اللحظات الأخيرة سعيا لتسجيل أي انتصار بعد ثمان سنوات من التراجع والتأثير للسياسة الأمريكية في المنطقة بأكملها.

منذ الوعود الأولى التي قطعها أوباما في أسبوعه الأول لم يتحقق شيء وبإزاء التطورات والتحولات التي شهدها العالم طيلة السنوات الثمان الماضية، لم يتحقق أي إنجاز للسياسة الأمريكية؛ وعد أوباما في شهره الأول في البيت الأبيض بإغلاق معتقل جوانتانامو سيئ الصيت ولم يتحقق ذلك، لم يشهد العراق سوى مزيد من القتل والعنف والطائفية، والأداء المخجل للغاية هو الموقف من القضية السورية الذي واصل تراجعه وتصريحاته غيرالواضحة وظل نظريا هامشيا، إلى اليوم الذي حلقت فيه طائرات السوخوي في الأجواء السورية وباتت روسيا هي الطرف الأكثر تأثيرا في الأحداث، وبدلا أن تتخذ إدارة أوباما أي موقف ولو أخلاقيا من الثورة السورية، بادرت بالركض تجاه طهران التي تشارك النظام السوري في عمليات القتل والتهجير وجرائم الحرب في سورية لتكافئها بالاتفاق النووي وتفرج عن بعض أرصدتها المالية وتبدأ في رفع العقوبات عنها.

ولو تركت قوى إقليمية في المنطقة الساحة مفتوحة للأداء الأمريكي فيما يتعلق بثورات الربيع العربي لكان لدينا الآن أكثر من سورية وأكثر من ليبيا، فقد حملت الإدارة الأمريكية لواء تبني ودعم تلك الثورات وتأجيجها وهو ما كان سيفضي إلى وبال أكبر على المنطقة، لولا تحالفات ومواقف واعية قامت بها دول في المنطقة استطاعت الحد من تفاقم الفوضى ومنع انتشار النار في أكثر من بلد عربي، كل ذلك الأداء المتراجع شكل مبررا وإغراء لتغول الطائفية في المنطقة وحتى اتجاه طهران للسيطرة على اليمن كما هو الحال في لبنان عبر ميليشيا مسلحة، إنما تم لليقين العام بأن لا شيء يمكن أن تقوم به واشنطن سوى مزيد من التراجع والانسحاب وهذا ما جعل المملكة تؤسس وتقود تحالفا عربيا لاستعادة الشرعية وفي ذات الوقت لإعلان أن قوة جديدة تتشكل في المنطقة سيكون من أبرز مهماتها ملء ذلك الفراغ الذي خلفته إدارة أوباما في المنطقة.

بعد كل هذه السنوات من الأداء الرديء والمتراجع للسياسة الأمريكية في المنطقة وقبل أسابيع من خروج أوباما وفريقه من البيت الأبيض جاء وقت بناء السير الذاتية للفريق المتقاعد فظهرت مثل تلك التحركات السريعة غير المجدية للوزير كيري والبحث عن أي إنجاز في اللحظات الأخيرة إلا أنه ركض في الوقت الضائع.

إن أفضل رد قامت به دول التحالف العربي على تصريحات ومقترحات أوباما هو عدم الرد.