حدّثني ثقةٌ من الأصدقاء أنه شهد بحكم عمله في بعض بلدان أفريقيا حالات عتق رقيق، وتعجب من فَرَقِ المملوك وهلعه عند عتقه، وبكائه الطويل، وتمزيق ملابسه، وتشبثه بكف ورجل سيده، وتمسحه بتراب قدمه. ويرى صديقي أن هذه الصورة لتشبث الإنسان بعبودية لغير الله لم تبرح مخيلته منذ 20 عاماً. وأثناء حوارنا، وضعنا الاحتمالات لتفسير المشهد وتوصّلنا إلى أن هذا الكائن الضعيف لا يبكي حزناً على فراق سيده، ولا عشقاً للاسترقاق، وإنما أسفاً على الحرمان من جنة توفر له الطعام والشراب والمنام والثرثرة، ذلك مبلغه من الحياة، ولذا يعترض على استقلاله ويرفضه؛ لأنه يخشى الضياع، كون فترة العبودية كرّست فيه البلادة، والاتكالية. (كَلٌ على مولاه).

لماذا جاءت هذه القصة هنا؟ لستُ أدري. إلا أن إيرادها ليس عفوياً. فأنا منذ عقدين وأكثر أسمع مصطلح (المثقف المُستقل) بالقاف، ولكنني لم أره. أما (المثقف المُسْتَغِلّ) كما يورد أساتذتنا في السودان، فمتوفر بكثرة، حد أنك في بعض الساعات تكره الثقافة، وتتبرم من يومٍ انضويت فيه تحت لوائها. فالبعض شغال (بالبكش) على لغة الحجازيين، وسوقه رائجة، والبعض رافع خشمه كونه يمرر نصوصه مردداً (بدراهمي) دون خجل أو استشعار نقيصة، ولكل مبرراته. ولستُ وكيلَ آدم، لكن مجتمعنا الثقافي قبل الفضاء المفتوح والتواصل الاجتماعي كانت له ذائقة متفرّدة، ولا يصل إلى الناس إلا جدير، عندما تقرأ كتابته تنجذب إليه. وحينما تسمعه تفتتن بقوله. ولو ذهبتُ أنا وجيلي إلى عد الرموز المحلية التي تربينا على طرحها الوطني الواعي لأمكننا الحصر.

أعودُ إلى الاستقلالية، وأسأل هل يمكن لمثقف مرتبط بعمل وظيفي يتقاضى عليه راتباً من الدولة أن يكون مستقلاً؟ ربما السؤال ثقيل، ولو حاولت تخفيفه لقلتُ: متى يمكن لمثقف ما أو كاتب أن يقول رأيه الموضوعي بصراحة، في قضية ما، دون أن يترتب على قوله أثر ضار به، القرآن يقول (ولا يضار كاتب) هنا منعطف أو محك الاستقلالية. ولستُ مبالغاً في حسن ظني أن وزارة الثقافة لدينا تريد مثقفين وطنيين مستقلين (بالقاف لا بالغين) ولا تريد مثقفاً إمعة أو تبعاً.. علمي وسلامتكم.