اجتمع زراع الدخان الأخضر في الساحل لتدبير أمور شحنه إلى السراة. قال كبيرهم «والله يا مطاوعة أمحزازيه ما يفكون عنكم. وليغدون ملحكم ما يملح. ويفرشونكم وسط السوق. ويصبغون وجوهكم بالقطران». ردّ عليه الأحدث سناً وتجربة: كيف نعبا بامتنباك. حشّيناه. وحزمناه. وشديناه فوق ظهور أمحمير؟ قال أوسطهم: الشور عندي. نليّن مخارج الحمير حتى لا تنهق. ونسنعها على الدرب مع المغرب. ويباريها الشبان. حتى تبلغ الأصدار. وينزلون أمحملة في أمغيران. ويبلّغون الوسيط ليستلمها ويعودون. انطلقت قافلة التبغ المحلي تحدوها دعوات البركة والنجاة.

اتكأ بومقباس. أشعل اللفافة. وأرهف السمع لصوت المشاديد صاعدة من العقبة. كانت رقابة المطاوعة على الدخان صارمة. وبعض المحتسبين أشد تحريماً وتجريماً من المطاوعة الرسميين. ومن سطوتهم على البلاد والعباد أنهم كانوا يقومون بمداهمة المزارع وحرقها عن بكرة أبيها. وذات غزوة على مزرعة كبيرة مجاورة لجبل شهير. تصاعد دخان المزرعة كأنه دخان فوّهة بركان ثائر. فقال العريفة: تعالوا نكيّف روسنا من هذا الدخان المتطاير. فخرج الكبار والصغار فوق الهضاب يستنشقون.

استلم الوسيط الحمولة. واختار أعتى رجلين لحراسة الغار. انطلق إلى قرية السيدة المتخصصة في التوزيع على تجار الجملة. أشعرها بوصول الحملة. وحدد لها موعد التسليم بعد انتصاف الليلة القابلة. هبطت النشمية إلى السوق الأسبوعي. التقت العملاء. أوصتهم أن يتخفوا. ويأتوا لمنزلها فرادى. في الهزيع الأخير ليتسلموا الكميات. قبضت منهم العرابين. وكان أحد عسس عريفة القرية يرقب المشهد. ويرصد التحركات. عادت السيدة لقريتها. وعاد الراصد ليروي للعريفة ما جا وما جرى.

وصلت البضاعة. استعانت الموزعة بأولادها وبناتها في توزيع الكميات في أكياس. ترقباً لوصول التجار. دخل ثلاثة متقاطرين. متلحفين بالمشالح. وملثمين بالعمائم. ما إن استقعدوا طرف الملة. حتى طرق العريفة وأعوانه باب الأرملة. ردّت على الطارق: شن إنته؟ صاح العريفة: من دخل عندك يا مودمية؟ قالت: الملائكة. علّق أحدهم «الملائكة لابسين مشالح».

حاول الإمام أن يلتحق بالمنكرين على بائعة التنباك. أسرف يوم الجمعة في سرد الحكايات والروايات والخيالات. انصرف الجماعة عنه. تركوه لوحده. خرجوا من المسيد مرددين «كان عنا م الهروج» علمي وسلامتكم.