في أوقات التحولات الاجتماعية والاضطرابات السياسية والثورات التقنية، تزدهر الكثير من كتب الأساطير والحكايات الشعبية، وقصص نهاية العالم، وتنبؤات انهيار الكوكب، ويجد المنجمون وقراء الأبراج لبضاعتهم رواجا، ولتخميناتهم إقبالا، ما تلبث أن تخبو هذه الفورة بعد برهة من الزمن، حين يتعايش الناس مع التغيرات الجديدة، وتصبح جزءا طبيعيا من حياتهم.

هذا النمط من الكتب والمؤلفات الذي يعتمد على الغرائب والأساطير والخيال والإثارة والتشويق، والبحث في أعماق المجهول، ومحاولة استكشاف المستقبل، أو التنبؤ بأحداث مرعبة تحيق بالبشرية، أو ترقب تحولات كبرى كارثية ستصيب بني الإنسان، هو نمط قديم، موجود لدى أغلب الأمم والمجتمعات، يعبر في كثير منه عن الحالة المزاجية لذلك المجتمع وطريقة نظرته وتفسيره للكون، والأدوات والمرجعيات الذهنية التي يستخدمها لفهم وتحليل التغيرات التي تحيط به، وقد لا تكون في مضمونها الخرافي الخيالي ذات قيمة علمية بحد ذاتها، ولكنها أداة مهمة لفهم واستيعاب آلية تفكير المجتمع وتحليل تطوره الثقافي والاجتماعي والديني.

تطور هذا الفن من الكتابة والتأليف في ظل التحولات الاجتماعية والتقنية التي أحدثتها الثورة الصناعية، والتقدم الكبير في الصنعة الإعلامية، فأصبح فنيا ترفيهيا بحد ذاته، له جمهوره وعشاقه وأتباعه، مثل ما نشاهد اليوم من سلسلة الكتب والأفلام القديمة المتجددة حول (حروب الفضاء)، و(الزومبي)، و(مصاصي الدماء) وحروب الفيروسات، وتمرد التقنية، وفوضى القنابل النووية، وأسرار القوى الخفية والجماعات السرية التي تسيطر على العالم، وغيرها من القصص التي يكون بعضها ذا أصل خيالي محض، والبعض الآخر يحمل جزءا بسيطا من الحقيقة. هذه المنتجات تجد لها رواجا وانتشارا لأنها تقوم في أصلها على البعد التجاري القائم على فن الإثارة والغموض، وقد تتصدر في بعض الأحيان الكتب الأكثر مبيعاً، وفي حالات من المبالغة والتضخم نشاهد جماعات صغيرة في أوروبا وأمريكا نتيجة للضخ الإعلامي والسينمائي المستمر بدأت تؤمن بشكل جازم بهذه الأساطير، وتبدأ في إعداد العدة لهجوم الزومبي، أو لحظة انهيار الكوكب، فأصبحت تخطط من الآن لبناء الملاجئ والمناطق الآمنة لأتباعها من المهووسين بالغرائب حتى يكونوا في مأمن حين تحين لحظة «الرعب» تلك.

هذا الأمر يبقى في سياقه الطبيعي ما دام ضمن نطاق الأساطير الشعبية التي تغذي حركة الفن والأدب والمسرح والسينما، لكن تبدأ المشكلة، ويحدث التشوش والارتباك حين تصبح هذه الخيالات مادة تستقى منها الأدلة والشواهد لتحديد مواقف فكرية واتجاهات عقائدية سياسية، وتخلط مع نصوص دينية إنجيلية وتوراتية، وموروثات ثقافية في عجينة واحدة ملتبسة ينسج منها الباحث موقفا مؤججا مندفعا يرسم من خلاله نظرته الراهنة للتحولات المستقبلية وكيفية علاقته مع العالم من حوله. فيقدم رؤية جازمة تقوم في أصلها على أساس علمي هش، ما يلبث أن يتهاوى بعد فترة يسيرة من الزمن.

من أمثلة ذلك، انزلاق الخطاب الصحوي الإسلامي في بداياته منذ مطلع الثمانينات مع هذه الموجة، قبل عصر الفضاء والمعلومات والإنترنت، ونظرا لصعوبة الحصول على الصحف العالمية، أصبحت قصاصات الصحافة الصفراء الغربية، وكتب الأساطير والإثارة تستخدم في ثنايا هذا الخطاب كشواهد وأدلة على التغيرات الكبرى التي ستحدث في الكون بمؤامرة غربية، تحت قيادة قوى خفية من الجماعات الماسونية التي تعد العدة لحرب عالمية أو تهيئ نفسها لكوارث مرعبة ستحدث قريبا.

أتذكر حين كنت صغيرا، طالعت كتابا في هذا الصدد، كان عنوانه يحمل النذير ويدعو إلى الهبة والاستعداد لمواجهة الحرب العالمية القادمة التي سنكون نحن «المسلمين» أول وقودها، والسبب هو اقتراب البشرية من عام خطير، وهو عام 2000، فدخولنا إلى الألفية الثالثة يحمل الكثير من الدلالات والمؤشرات الكبرى في الثقافة الغربية على أنها ستكون اللحظة الفاصلة لقيام الحرب الكبرى بين الحق والباطل، فقد دقت ساعة الصفر، وقامت أمارات معركة «هرمجدون» كما يقول المؤلف.

الكتاب كان بعنوان (حمى سنة 2000.. نظرات جديدة في مسيرة الصراع الديني ضد المسلمين) لمؤلفه عبدالعزيز مصطفى كامل، صدر عن مؤسسة المنتدى الإسلامي بلندن، التي تشرف على مجلة البيان الإسلامية. والمؤلف كان محاضرا في قسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود، وعضوا في هيئة تحرير مجلة البيان، وهو باحث مصري لمؤلفاته حظوة واعتبار لدى التيار الصحوي، السروري تحديداً في السعودية.

نشر الكتاب في يوليو عام 1999، يحمل على غلافه مجموعة من الرموز الدلالية منها خريطة الشرق الأوسط، والشبكة العنكبوتية، وهيكل سليمان، والصليب، والشمعدان اليهودي.

المؤلف في مقدمة كتابه يتوقع أن تحدث في مطلع عام 2000 حرب كبرى بين أصحاب الديانات الثلاث (اليهودية، والنصرانية، والإسلام)، حيث يقول: «عام ألفين سيفصل بين قرنين أو قل عصرين، عصر كان يمثل مرحلة المخاض، وعصر تتطلع فيه الأمم إلى الميلاد، فاليهود يرون في العصر القادم عصر العلو الكبير، والسيطرة الكبيرة، والعودة الجماعية لأرض الميعاد، والنصارى يرون فيه عصر الخلاص العالمي، والتعميد الأممي الذي سيعود بعودة المسيح إلى الأرض. أما المسلمون فالمتوقع أن تتحرك حميتهم الدينية الجماعية عندما يسمعون دق طبول الحرب على أبوابهم، تخالطها أبواق اليهود وأجراس النصارى، حينها سيجتمعون حول صيحات التكبير ويفقهون كلمات الشهادة».

على الرغم من أن المؤلف يتجنب الجزم كثيرا، ويؤكد أن ما يورده من شواهد هي توقعات حدوثها ليس بالحتمي، إلا أنه يعيب على أولئك الذين لا يعون أو يكترثون لهذا الخطر القادم، «فقد أظهرت أعراض حمى سنة 2000 الأبعاد الروحية والدينية التي تقبع خلف السياسات التي يظن الناس أنها بلا خلفيات، ونتوقع أن تزداد حدة الصراع كلما توغلت عقارب الساعة داخل الألفية الثالثة».

وفي أحد فصول الكتاب الذي جاء بعنوان (الألفية الثالثة وهواجس الحرب العالمية الثالثة) يتساءل المؤلف: «هل أصبحنا نعيش الأيام الأخيرة، أيام ما قبل النهاية.. إن العتاة الغلاة من طوائف النصارى يعتقدون بجزم ويعملون بحزم لهذه الأيام الأخيرة التي يربطونها بقدوم الألفية الثالثة، حيث يتوقعون أن تبدأ فيها نهاية أيام (العامة) لتأتي بعدها أيام (الخاصة) أتباع المسيح المخلص». في سياق تحليله وتوقعاته لقيام حرب عالمية ثالثة مع دخول عام 2000 استشهد المؤلف على ذلك بصدور عدد من الكتب الغربية في السنوات الأخيرة، وبيع منها ملايين النسخ، مثل كتاب (دراما نهاية الزمن) لمؤلفه أو ترال لوبرتس، وكتاب (الكرة الأرضية ذلك الراحل العظيم) من تأليف هال لندسي، وغيرها من الكتب التي تنتمي لفئة الإثارة التجارية والتشويق.

عبدالعزيز كامل تطرق في كتابه إلى تفاصيل كثيرة حول تحضيرات قيام (إسرائيل الكبرى)، والمؤشرات القوية على قيام حرب سابعة بين العرب وإسرائيل، و«ويرجح أن يكون ذلك في السنوات الأولى للألفية الثالثة»، وفصول أخرى حول «مسيح النصارى العائد»، و«ملك اليهود المنتظر»، وأسطورة البقرة الحمراء التي تطهر الإسرائيليين وتعلن بداية سيطرتهم على العالم، وغيرها، كما حشى الكتاب بعدد كبير من النصوص التوراتية، متذرعا مرة بالموقف من الإسرائيليات «لا تصدقوهم، ولا تكذبوهم»، وأنها قد تكون من البقايا الصحيحة من نصوص أهل الكتاب، ومرة يصفها بالخرافات والأساطير الباطلة التي اخترعها اليهود والنصارى لتنفيذ سيطرتهم وتحقيق مصالحهم السياسية، ويكتمل ارتباك الموقف حين يقول في خلاصة كتابه: «بأن ما تم إيراده من معلومات عن الأحلام والأوهام الألفية المستقبلية لأهل الكتاب، ليس إلا مجرد رصد لظواهر لا يعني بالضرورة تصديقها أو الموافقة عليها»، لكنه لا يلبث بعد صفحة من هذا الكلام أن يوجه هجومه نحو «أولئك العلمانيين» الذين سيستخفون بهذه المؤشرات، و«يبرهنون على شدة الغباء في التعامل مع الظروف المصيرية التي تتعرض لها الأمة، فغالب الظن أن نصيبهم من التفاعل مع تداعيات الألفية الثالثة هو الالتهاء بالمشاركة في مظاهرها الاحتفالية الشركية».

لم ينس المؤلف أن يفرد فصلا خاصا حول مشكلة عام 2000 الشهيرة التي تخص النظام الرقمي الخاص بأجهزة الحاسوب، حيث أشيع حينها أن الأنظمة الإلكترونية مصممة على استخدام الرقمين الأخيرين كدلالة على السنة، وحين تأتي سنة 2000، سيكون رقم السنة هو (00)، وستقع مشكلة كبيرة بسبب عدم تفرقة الأجهزة بين عامي 2000 أو 1900، وقد تعود إلى الوراء وتحدث أزمة كبرى تسبب في وقوع كوارث في الأنظمة البنكية وحركة الطيران، والأسلحة والمعدات، وانقطاع المواصلات والكهرباء ومراكز المال. يعلق المؤلف على هذه الشائعة، فيؤكد بأنها مشكلة تقنية ليست ذات بعد عقائدي، «لكن للمتعصبين النصارى في أدبياتهم المعلنة مقولات تدل على أن المسيح المنتظر لن يأتي إلا بعد فترة من الأزمات المتواصلة، والكوارث المتتابعة والانهيار الاقتصادي»!

على كل حال، احتفل الناس في الأول من يناير بدخول عام 2000، ومرت الليلة الأولى بهدوء وسلام، لم تسقط الطائرات، ولم تتصادم القطارات، ولم تنطلق الصواريخ النووية، أو تنهار البنوك. وربما كانت مشكلة عام 2000 التقنية هي مجرد بروباغاندا إعلامية سعت الشركات الكبرى في ترويجها لتحفيز الناس على تغيير أجهزتهم لشراء أجهزة جديدة تتوافق مع التاريخ الجديد حتى تحقق بذلك أرباحا خيالية ضخمة، ومثل هذه الدعايات المضللة تحدث كثيرا بشكل دوري وقد تقف وراءها شركات منتفعة في مجالات التقنية والأدوية والأسلحة وغيرها.