عندما حلّ الإنسان في الأرض. لم يجد ما يحاكيه ليعيش سوى الجوارح والحيوانات. تقاطعت حياته مع الوحوش فطبعت بصمتها عليه. واخترع لاحقا صناعات ليوفر أدوات الصيد ليأكل من لحمها ويستفيد من جلودها وأوبارها وليحد من نشاطها. ومنافستها له على المكان. ونجح الإنسان. بدأت أعداد البشر تتزايد. وأعداد الوحوش تتناقص. انتقم منها ولم يدر في خلده أنه سيتطبع يوما بطباعها.

انتقل إلى تربية الماشية والرعي فارتقى درجة في سلم الحضارة. وجاء عصر الزراعة فاستيقظ الضمير في ظل الماء والخضرة والوجه الحسن. كما يروي ويل ديورانت في قصة الحضارة. تلاها عصر البناء وتكوين المجتمعات فاشتركت القوى المجتمعية في تأسيس بنيتها. واختارت العدالة مبدأ لا حياد عنه. ومع تأسيس التنظيم الاجتماعي تمدن الإنسان. وأقام حضارته. وكان سيد الكون بأخلاقه ورقيه ومنجزه.

توالت الطفرات المتعاقبة على حياة الناس. بدءا من طفرة المال. مرورا بالرفاهية الزائدة عن الحاجة. وليس انتهاء بطفرات التكنولوجيا والآلة. كل هذا أفقد الإنسان تدريجيا ضميره الحي. علما بأنه يتوهم أنه أنجز على الأرض حضارة. من خلال المباني الشاهقة. والقصور الفارهة. ولم يدرك أن كل ذلك كان على حساب أهم خصيصة بشرية (إنسانيته).

علماء الاجتماع يؤكدون أن مقياس الحضارة ليس بالبناء المادي فقط. ولا المنجز العلمي. ولا المكتشفات والتقنيات. بل في قدرة الإنسان في الحد من وحشيته القديمة أو توحشه. والواقع اليوم يؤكد أننا تلبسنا من صفات الوحش الذي استقبلنا على الأرض عندما هبطنا من السماء (أكثر من طاقتنا). حتى أن أحدنا لا يستطيع إطالة متابعة الأخبار. ومشاهدة النشرات. وبعض الآدميين لو أمعن النظر إلى عينيه في المرآة لأنكر هذا المخلوق ونعته بالوحش.

هل نحن متوحشون طبعا؟ أم أن هناك ما أسهم في توحشنا. ولا يزال.؟ كلا الأمرين وارد. فالتعصب. والأنانية. والقلق من منافسة الآخرين لنا في مناصبنا ومراتبنا وأرزاقنا، بل وحتى الجنة التي قال الله عنها (عرضها السموات والأرض) كل ذلك من أسباب التأزم. وضيق الأفق. وكما تأنست بعض الحيوانات ببركة حسن تعامل قلة منا معها. توحشنا بفعل خارجي وتجاوب داخلي. وتعطّلت مقومات الضمير الإنساني فينا حتى في النخب المثقفة. فمن سيهذب توحشنا مجددا. علمي وسلامتكم.