حقا كان يوما طويلا في أمريكا والغرب، وصباح الأربعاء استيقظ المشرق على نتائج الانتخابات الأمريكية المفاجئة بفوز مرشح الرئاسة الأمريكية دونالد ترامب بعد أسابيع من حملات شرسة، أجمعت خلالها وسائل الإعلام بمختلف اللغات ومحللوها ومراسلوها على صعوبة فوزه لأسباب مختلفة صالوا وجالوا في سردها وشرحها، تصريحاته وتفكيره وأسلوبه ومفرداته، والاتهامات القاسية والساخرة غير المسبوقة التي تبادلها المرشحان لم يعهد الأمريكيون مثيلها من قبل في التدني، لذلك راهن المراقبون على هزيمة ترامب لكن النتيجة فاجأت الجميع.

العالم ومن قبله الولايات المتحدة سيحتاج إلى فترة ليست قليلة ليستوعب مفارقات الانتخابات الأخيرة ونتيجتها التي استقبلتها عواصم مختلفة خاصة الأوروبية وبورصاتها المالية بكثير من القلق، عبرت عنها تصريحات ساسة ومراقبين في تلك العواصم بمفردات حادة مثل (الصدمة، الزلزال) والسبب هو تصريحات المرشح ترامب التي تفاعل معها الإعلام الأمريكي بتنوعه ومساحته وبرامجه ودوافعه، فلم يترك شاردة ولا واردة في السياسة والاقتصاد والفضائح والجد والهزل وحتى الخصوصيات إلا وأشبعها تشريحا بعدسات مقعرة ومحدبة ولقطات وكاريكاتيرات ساخرة.

الصناعة الإعلامية في الولايات المتحدة راهنت كثيرا على قدرتها في توجيه الرأي العام لإيصال هيلاري كلينتون إلى البيت الأبيض وقد كانت سيدته الأولى لثماني سنوات ووزيرة خارجية لأربع سنوات، لكن السقطة والصدمة كانت كبيرة بفوز منافسها، في ضربة موجعة هدمت نتائج الاستطلاعات التي أجمعت على فرص الفوز المضمون لكلينتون بدرجة كبيرة.

في حقيقة الأمر أن مثل تلك الاستطلاعات لا تكشف عن طبيعتها من حيث جهة الاستطلاع وأهدافها ومصالحها والشرائح التي اختارتها مع هامش الخطأ في كل استطلاع، بينما حسابات الناخب الأمريكي المرتبطة بحياته ومصالحه وما يطلبه من خدمات ورعاية ومزايا، كانت العامل الفصل في توجهات شرائح واسعة في المجتمع، خاصة الدنيا منها والطبقة الوسطى والشباب الذين راق لهم نبرة ووعود المرشح ترامب.

قضايا داخلية عديدة ينتظرها الأمريكيون المنقسمون بحدة على غير العادة، وقضايا خارجية تهم دول العالم خاصة أوروبا والشرق الأوسط، ستنتظر السياسة القادمة لواشنطن، وهناك مخاوف جادة من تمدد اليمين المتطرف في دول أوروبية وظهرت أصواته في الولايات المتحدة، وتماهى مع مفردات سابقة في حملة ترامب الانتخابية، ليجعل هذا التيار منها فزاعات عنصرية تؤجج روح الكراهية تجاه الأقليات، ولغة استعداء تثير قلقها من تحولات محتملة تغذيها دوائر عنصرية ووسائل إعلام معادية للمهاجرين والأقليات، لكن بعض الشعارات الانتخابية عادة ما تتبدل، وهو ما بدا من الرئيس المنتخب في إرساله تطمينات واضحة للداخل والخارج تضمنها خطابه عقب إعلان فوزه، وعموما شمس تطلع خبر يظهر.

في كل الأحوال حتى إن شهدت السياسة الأمريكية تغيرات، فإن الملفات الكبرى والعلاقة مع دول العالم يضبطها البيت الأبيض وتأثير البنتاجون والخارجية،

لا يزال من الصعب التخمين بتوجهات الرئيس المنتخب تجاه العديد من الملفات، كما سيبقى الرئيس المنتخب محل السؤال لدى الدوائر السياسية والاقتصادية داخل أمريكا وخارجها ولن يهدأ الإعلام في طرح تساؤلات كثيرة في المرحلة الانتقالية خلال الشهرين القادمين وإلى العشرين من يناير موعد دخوله المكتب البيضاوي رسميا على رأس إدارته الجديدة، وتسلمه الحقيبة النووية، وحينها سيدرك الأمريكيون والعالم في أي اتجاه ستكون بوصلة السياسة الأمريكية الجديدة ونقاط الاتفاق أو الاشتباك في قضايا أمريكا والعالم ومنطقتنا المشتعلة.