تعاطفت القرية مع القادم من الجنوب، رثت لحاله زوجة العريفة، ناشدته أن يعطف عليه، ويقف إلى جواره، وقالت «شوري عليك تؤويه، يسد معك في البلاد، وحرمته تفزع لي في ضيعة البيت» قال «شورك وهداية الله». حدد له موضعاً لبناء منزل، وقال له «جيرتك تنشرى يا بوفتيل، والناس بالناس والكل بالله». ردّ عليه «أوعدك يا عم أن أكون لك مثل العافية في جنبك». أوصى المجاورين له أن ينادوه بالمجاور ولا يطلقوا عليه الوصف المألوف (النازلة) وأن يوسعوا له موقع البناء؛ كون السعة في جال الله، ويسهموا معه في بناء البيت.

حضّر الحضارة الحجارة اللازمة لبناء أربعة جدران، وأمّن الشباب الخشب والجريد الضروري للتسقيف، قرّ البيت، وسكن المجاور، وذبح شاة الغُرم، والتزم بأدبيات القرية. يحضر المجالس صامتاً، ويصب القهوة في بيت العريفة، ويخدم مع الجماعة في كل المواقف. وكان لزوجته قبول أكثر؛ كونها جميلة ونظيفة ورائحة بخورها يثمل الطرقات؛ تستقبل الزائرين بالترحاب، وعندها راديو يرتفع منه صوت الغناء اليمني ويعبر من النافذة إلى أسماع تهتز عشقاً مع الطرب، وتتقن الغزل.

عرف أبوفتيل نقطة ضعف القرية، وبما فيه من حيلة حبك مع زوجته رواية تبث الرعب في قلوب القرويين. كانت أصوات نساء القرية في جلسة الضحى تتعالى متسائلة عما شاهدته أم فتيل البارحة. سألتها زوجة العريفة: وش خلقته ياخته؟ قالت: مخلوق ما هو كما المخاليق، له وجه ذيب، وأرجل آدمي، ومخالب أسد. وشعر قرد. تصايحن جميعا (البعوي).

تسامعت القرية بالبعوي، فدب الخوف في كل زاوية من بيوتهم، طلب الفقيه من زوجته بعد المغرب تعاونه بحمل أكياس الحب لرصد الباب. كانت تحمل معه وتقسم أنها شافت البعوي في المسراب، فانفلت الكيس من يد الفقيه وخذلته معدته. فقدت القرية من أغنامها، ودجاجها، وبيضها، وملابسها. والكل صامت حتى لا تلحقه مسبّة. قرر أبو علي أن يتصدى؛ أخذ القبسون، ووضع السحارية أمامه محجاة وأوصى زوجته أن تعد له عشاء. وفجأة ظهر أمامه مجسم أفزعه فغشي مكانه، واستيقظ بعد ساعة فلم يجد (قدر الدغابيس واللحمة) قررت القرية أن تدعو دعاء الراتب بعد صلاة الجمعة كان الإمام يدعو وأبو فتيل أعلاهم صوتا (آمين)، علمي وسلامتكم.