هذه هي أمريكا، وهذه هي الديموقراطية الحقيقية في أي مكان، التي تجعل الشعوب تصنع المفاجآت وتعكس التوقعات وتأتي بما لا يتوقعه الذين لا يعيشون في المناخ السياسي الحر الذي يعبر فيه الشخص عن رأيه وتوجهه دون ضغوط.

كانت انتخابات تأريخية بمعنى الكلمة، فإما أن تدخل البيت الأبيض أول سيدة وإما يدخله شخص لا علاقة سابقة له بالعمل السياسي، ولم يكن يوما حاكما لولاية أو سيناتورا أو عضوا مهما في الحزب المنتمي له، وكانت المفاجأة أن يكون الرئيس هو الشخص الذي كان يسبب حرجا حتى للحزب الذي رشحه. لقد قلنا أكثر من مرة إن الرئيس المنتخب هو أولا وأخيرا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، والشعب الأمريكي بمعاييره ومواصفاته ومقاييسه وتطلعاته وتوقعاته هو الذي انتخبه، وليس وفق معايير بقية شعوب العالم التي تنظر إلى الأمر من زواياها الخاصة.

ربما من أهم العبارات التي كان يرددها ترامب في حملته الانتخابية هي إعادة أمريكا عظيمة وقوية أخرى. قد لا يكون يعني تماما ما نعتقده نحن بهذه العبارة، لكن أمريكا كانت بالفعل في أسوأ أوضاعها خارج حدودها على ساحة السياسة الدولية خلال فترة أوباما التي كانت هيلاري كلينتون شريكة مهمة فيها، وهذا الوضع ارتد على الداخل الأمريكي في أكثر من مشكلة نتيجة الحرائق الكبرى التي لم تبادر أمريكا إلى إطفائها حتى بعد أن أصبحت وصمة عار في تأريخ الإنسانية، وبذلك تأثرت الصورة الذهنية لأمريكا في الخارج وتحولت إلى دولة هشة مترددة غير ملتزمة وفاقدة للاحترام.

ماذا سيفعل ترامب؟ وهل سيشعل أزمات جديدة بسياسة عنيفة كالتي عبر عنها في حملته؟ هنا يجب أن نتذكر أن هناك إدارة في دولة مؤسسات مع أن وعي وشخصية الرئيس لهما دور في القرارات، وليس بالضرورة أن يتحول كل ما قاله المرشح الرئاسي إلى واقع عندما يصبح رئيسا.

نحن في بداية مرحلة مثيرة، لكن علينا التعامل معها بالاستفادة من دروس الماضي التي لم نتعلم منها.