مما قرأت لرسول حمزاتوف (يصرف أهلنا عامين من أعمارهم ليعلمونا الكلام، ويقضون ما تبقى من العمر لتدريبنا على الصمت) والنصوص والحكم والآيات والوصايا في كل الأديان والمذاهب، تنحاز لأدب الزهد في القول (ولئن ندمتُ على سكوتي مرةً فلقد ندمتُ على الكلام مرارا).

لعل من أبرز ملامح عصرنا أن الذي يعرف لا يتكلم، والذي يتكلم لا يعرف، وإشكالية (عاشق الثرثرة) أنه مقتنع جداً بمهارته في تحليل وتفسير وبحث كل القضايا ما يشعر مستمعيه بالغثيان، وتكاد تنبعث منهم (كفاية).

البعض ممن ابتلاهم الله بشهوة الكلام يتوقع أنك معجب بما يقول عندما تتبسم له، أو أنك مفتتن بقوله وأنت تهز رأسك، هو لضعف ثقته بنفسه وخوائه لا يكف ولا يخشى بل ولا يستحي أن ينتهك حقك في الاستمتاع بلحظة هدوء.

في غضون يومين مضيا التقيت الكاتب محمد الفايدي، وبما أني أعرفُ من هو، وأدرك أنه من نخبة النخبة في بلادنا، لم أعجب من لزومه الصمت طيلة ساعتين، حتى خامرني شعور أن صمت هذا الرجل أجمل بكثير من بعض الكلام.

ليس الفايدي وحده من اختار (الزهد في الكلام) أو اضطر إليه؛ لأن الحكماء يدركون مبكراً أن الصمت حكمة، وقليل فاعله، والعرب تقول (رب كلمة قالت لصاحبها دعني) وما أشد قسوة الموقف عندما تستغيث بك من لوكها الكلمات.

في الأمسيات الثقافية والندوات يحضر البعض للتعليق، ولكنه يعلّق أرواح وأنفاس الخلق، وهو يسهب في استعراض مواهبه في الحياة، ويردد مع كل فاصلة. أنا. وأنا. وأنا. حتى يخيّل إليك أنه من سلالة إبليس.

إذا كان أحد السابقين قال (شيبني مخافة اللحن وصعود المناب) لاستشعاره أمانة الكلمة، ومسؤولية القول، وضخامة من حوله من النقاد، فإن بعض الثرثارين اليوم لا يتورع عن قول (ما أسهل صعود المنابر، واللحن ملح الكلام).

ربما تحرّم زوجات بعض المثقفين عليه الكلام في المنزل ولذلك ما إن يخرج حتى يفك لجام شفتيه، ومن يريد أن ينجو بنفسه فليلجأ للخلوة، فهذا زمن السكوت ولزوم البيوت، لأن كل ما حولنا مشبع بالكلام. علمي وسلامتكم.