تداولت الصحف اليومية والقنوات التلفزيونية مطلع هذا الأسبوع خبراً مفاده: صدر حكم قضائي بالسجن 45 يوما ضد خطيب مسجد بمنطقة عسير، إثر إدانته بالسب والتشهير بالفنان ناصر القصبي، بعد أن أطلق عليه أوصافاً لا تليق بمسلم مثل زنديق وكافر، إلى جانب كلمة مسيئة ذات بعد أخلاقي، وقد أبرز الإعلام أول ردة فعل وتصريح للفنان الكوميدي حول هذا الحكم بقوله: هي خطوة في الاتجاه الصحيح وخاصة في هذا الوقت تحديداً، فيما اكتفى إمام المسجد بنفي تلقيـه أو استلامـه أي حكم يدينــه في هــذه القضيــة.

قد يقول قائل، إن الفنان شخصية عامة ومن الطبيعي أن يتعرض عمله الفني للنقد، وهذا الأمر صحيح، بل إن القائمين على أي عمل يقيسون مدى نجاحه بمقدار ما أحدثه من ردود فعل مؤيدة أو حتى غاضبة، لكن المشكلة لم تكن هنا، وإنما هي في المقام الذي قيل فيه ذلك الهجوم، وما تضمنه من عبارات مسيئة للغاية، منها ما يصل لحد القذف ومنها ما يخرج من الملة، فالمنبر وفق وثيقة المساجد الصادرة عن الشؤون الإسلامية، يجب أن تقتصر الخطبة فيه على الوعظ والإرشاد والبعد عن الخوض في المسائل العصبية أو الحزبية أو التعرض للأشخاص تصريحاً أو تلميحاً.

لا أعلم ما هي الطلبات التي ذيل فيها القصبي لائحة دعواه وهل حقق له منطوق الحكم بعضها أم لم يحقق منها شيئا؟! ما أعرفه بحكم خبرتي في مثل هذه القضايا أن المدعي يحرص على المطالبة بالقيام وبشكل عاجل بما من شأنه الحفاظ على النفس متى تضمن الهجوم عليه تأليب الآخرين ضده، ثم المطالبة بإيقاع أقصى العقوبات النظامية في الحق العام سواء الفصل أو الغرامة، ثم تأتي المطالبة بتعويض مادي كبير لقاء ما تضمنه البيان من إساءة وتشويه للسمعة، وبالنهاية تختتم عريضة الدعوى بضرورة إلزام المعتدي بالاعتذار في نفس المكان وبنفس المدة التي استغرقها هجومه.

أتذكر أنه بأحد الأيام، زارني بالمكتب مدعي كانت بينه وبين موكلتي قضية تشهير إعلامية، وهو رجل تخطى السبعين، وما أن جلس حتى قلت له: نعم نحن خصوم بالمحكمة ولكن أخلاق المهنة تحتم علي أن أهنئك بكسبك القضية، عندها قاطعني غاضباً: أنت محامٍ غشاش وأنا لم آتِ اليوم لتضحك علي بكلامك المعسول، أنا جئت أبلغك رسالة لموكلتك بأن تراعي الله فيه، لأن الحكم الذي صدر يعد إهانة لي، فكرامتي التي أهدرت ومصاريف السفر والجهود المبذولة لمتابعة الدعوى مدة سنتين لا يمكن أن يجبر ضررها الحكم لي بتعويض لم يتجاوز عشرة آلاف ريال !؟

الحكم الذي صدر في قضية القصبي، استغرق هو الآخر سنة ونصف تقريباً، ومدة السجن التي تضمنها لا تتجاوز مدة الإيقاف على ذمة التحقيق، بل ويمكن للمحكوم عليه أن يستفيد من العفو فيتم الإفراج عنه بعد قضائه نصف المدة، خاصة أنه حافظ للقرآن الكريم ومشهود له بالأخلاق الحسنة، هذا الحكم أيضاً لا يمكن وصفه بالرادع بل قد يكون مدعاة للغير ليكرر ذات الهجوم، والأغرب من هذا كله أن المقطع لم يتم رفعه من اليوتيوب وهو ما سيدفع الآلاف من الناس للبحث عنه وإعادة سماع نفس الخطبة، فهل يصح بعد هذا كله أن يقال بأن القصبي كسب القضية ؟!