في أوروبا كثيرا ما تصادف في طريقك مطعما تملكه وتديره عائلة واحدة، حيث الأب والأم في المطبخ والأبناء يسجلون طلبات الزبائن، وأذكر أنني تناولت الغداء في مطعم أسماك توارثته عائلة واحدة لستة أجيال، وقد تم الاحتفاظ بالأدوات القديمة التي كان يستخدمها مؤسس المطعم قبل أكثر من قرن، وفي السعودية يمكنك أن تجد التجربة ذاتها مع اختلاف في بعض التفاصيل المهمة، ومثل ذلك أن تجد عائلة ما أو قبيلة ما قد استولت على جامعة حكومية من الجميع حتى أصبح أغلب المديرين والعمداء والأساتذة والسائقين في هذه الجامعة من نفس العائلة والسلم الوظيفي فيها قائم على صلة الرحم!.

بالتأكيد ليست المرة الأولى التي تغلب فيها (الفزعة) والحمية الجاهلية مصلحة ومبدأ تكافؤ الفرص، وأيضا ليست المرة الأولى التي تصل فيها إلى العمل الأكاديمي، فهذا اللون من الفساد الإداري الذي لا يحتوي سرقة مالية، بل سرقة فرصة لمستحق مجهول يعتبر أمرا محمودا من الناحية الاجتماعية للأسف الشديد، ولكن الجديد انتفاء الحاجة لإخفائه بطرق عدة، حيث أصبح الأمر جهارا نهارا ودون أدنى قلق من الأجهزة الرقابية التي ربما يكون موظفوها من عائلة واحدة ولا يحبذون إزعاج العوائل الكريمة الأخرى التي استولت على بعض أجهزة الدولة، ولهذا تأملنا ببرود بعض قوائم أسماء الموظفين من عائلة واحدة في إحدى الجامعات، لأننا ندرك أن (الواسطة العائلية) أصبحت أقوى بكثير من الأنظمة في بعض الإدارات والمؤسسات الحكومية، وقد نشرت «عكاظ» تقارير عن تركيبة الموظفين العائلية في بعض جامعاتنا تحت عنوان صحفي طريف: (تفكيك الخلايا الجامعية).

ولكم أن تتخيلوا الانتقالة العصرية التي يمكن أن تحققها لنا مثل هذه الجامعات التي تئن جدرانها الرخامية من آثار العنصرية والتعصب، والعنصرية هنا ليست نوعا واحدا، بل هي أنواع وأشكال، ولا تتوقف عند نوع محدد من العوائل أو القبائل والأعراق، بل يمكن أن تجد عنصرية في الاتجاه المضاد، أي ضد أبناء القبائل أو ضد عائلات معينة بحسب طبيعة العائلة التي استولت على الإدارة الجامعية، والضرر هنا لا يتوقف عند حرمان الأكفاء من الفرص الوظيفية التي يستحقونها لصالح أناس قد يهبطون بالحالة الأكاديمية والإدارية إلى القاع.. بل الضرر يتجاوز ذلك بكثير حين نتخيل ما سيفعله الطلبة الذين سيتخرجون من هذه الجامعات، حيث سينشرون هذا المبدأ في كل وزارة ومؤسسة وشركة عملوا بها إما لأنهم اعتاشوا على هذا الميزان المائل خلال سنوات التأسيس الجامعي أو لأنهم تعرضوا للظلم بسببه فيطبقونه في جهات عملهم من باب الدفاع عن الوجود الوظيفي!.

لذلك يبدو ما نشر حول تحقيق نزاهة بخصوص ما أشيع حول تعيين ابن وزير الخدمة المدنية في نفس الوزارة براتب أعلى من مؤهلاته مسألة مهمة جدا.. ليس لأن نزاهة يمكن أن تفعل شيئا.. ولكن لرمزية هذه الحالة فهي تكشف – إن صدقت القصة – أن الأمر وصل حدا من العبث العلني بصورة لا يمكن السكوت عليه.