بعد أيام قليلة من إطلاق صاروخ من اليمن باتجاه مدينة الطائف، تم اعتراض صاروخ آخر مساء الخميس وإسقاطه على مسافة نحو 65 كيلومترا من مكة المكرمة، والحقيقة أن إطلاق المقذوفات قصيرة المدى على بعض القرى الحدودية في جازان ونجران وعسير يكاد يكون شبه مستمر، ولم يتوقف في أي واحدة من الهدنات المتكررة التي طالبت بها الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، لمحاولة إحياء العملية السياسية المعطلة، أو لدواع إنسانية كإيصال الغذاء والدواء وتأمين بعض ضروريات الحياة لشعب منكوب بتحالف من داخله يصر على إحراق اليمن بمن فيه، وتمزيقه شر ممزق، بدعم وإسناد علني من قوى خارجية.

تم إطلاق الصاروخ باتجاه مكة المكرمة في الوقت الذي يفترض أن هدنة جديدة قد بدأت، ومع إطلاق مبادرة أو رؤية جديدة للحل السياسي وضعت الأمم المتحدة كل الشياطين في تفاصيلها، تحفظت عليها الحكومة الشرعية الهشة، وسخر منها الحوثيون رغم أنها في صالحهم لأن كل بنودها مشروطة بالتوافق، ولا نعلم ما هي القوى السياسية المؤثرة التي يمكن أن تتوافق غير الحوثيين وحزب المؤتمر المتحالف معهم. إنها حيلة أممية جديدة مكشوفة لتثبيت أقدام الذين تسببوا في الأزمة وخراب اليمن والإصرار على إشعال محيطه.

الحوثيون وعلي صالح بصواريخهم الباليستية باتجاه العمق السعودي يحاولون توجيه رسائل رمزية تتضمن الإيحاء بقوتهم وقدرتهم على استمرار المواجهة، واستثمار ذلك إعلاميا ومعنويا لدى ميليشياتهم والمتعاطفين معها والداعمين لها، وكذلك لمحاولة إثارة القلق والخوف في الشارع السعودي للحصول على مزيد من المكتسبات في المفاوضات والمبادرات السياسية كطرف قوي بإمكانه إجبار الآخرين على تقديم التنازلات التي يريدونها، رغم أن الأمم المتحدة، برضا وموافقة الدول الكبرى، قدمت لهم أكثر مما كانوا يحلمون به. وبالنسبة للصاروخ الذي كان باتجاه مكة أو في مسارها، يبدو أنه ورقة لاستثارة مشاعر المسلمين لأي نوع من الحلول والتسويات لإنهاء الحرب طالما اقترب الخطر من أهم مقدساتهم. وهذا منتهى التهور والغباء والجهل، وأيضا الخسة والدناءة والوضاعة والانحطاط.

وبصراحة، إذا كان من حل سياسي ممكن فليس بالحكومة اليمنية الحالية وتركيبتها الهشة والمخترقة، ولا يجب أبدا أن يكون رضوخا لاستقواء الحوثيين وحلفائهم وحماقاتهم، ولا بالأمم المتحدة التي ثبت تواطؤها وانحيازها المكشوف لتعقيد الأزمة وإطالتها. لا بد من إيقاف هذا العبث بطريقة حاسمة وحازمة، ونهائية.