يبدو أن من أبرز الجوانب في مشروع الرؤية السعودية أنها تملك أدوات الفرز الداخلي لجنودها وتجعل من المجتمع أبرز أدوات ذلك الفرز، حدث هذا حين تحدث مسؤول بشكل خاطئ وغير علمي، كان المجتمع هو صوت الرؤية وهو صوت الدفاع عنها حتى ضد من يفترض بهم أن يكونوا هم بعض المعنيين بتحقيقها وفي قطاعات محورية كالخدمة المدنية والتخطيط.

في الحوار التلفزيوني الوحيد لسمو ولي ولي العهد وبعد إعلان الرؤية في شهر إبريل من هذا العام وبينما كان الحديث عن إمكانية وجود من يعارض الرؤية أو يشوش عليها أو يحتج على تطبيق بعض بنودها، قال الأمير كلمة محورية ومهمة للغاية: سيصطدم بالشارع.

هذه الجملة مهمة للغاية وهي تفسر الوضع الذي ساد طيلة الأسبوع الماضي بعد التصريحات غير الموفقة وغير العلمية من قبل مسؤولي الخدمة المدنية والتخطيط والتي لامست أبرز وأقوى ركائز التنمية السعودية: الكادر البشري والثراء والقوة المالية والاقتصادية.

قبل أن يتحدث الاقتصاديون عن تلك الآراء وقبل أن تحصد ما حصدته من ردود وتفنيد كان المجتمع أول من تصدى لها، الناس في مجالسهم وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وسواء كان حديثهم عاطفيا أو منفعلا أو حادا إلا أنه في النهاية يعكس موقفا مهما في هذه اللحظة المهمة من عمر التحولات الاقتصادية التي تمر بها المملكة.

كانت الأيام التي تلت صدور قرارات مجلس الوزراء الخاصة بوقف صرف بعض البدلات والعلاوات السنوية لبعض موظفي الدولة أياما مهمة أيضا في رصد الموقف المجتمعي العام من تلك القرارات، لقد شهدت تلك الأيام غيابا غير مبرر وغير مفهوم للوزارات المعنية بتلك الإجراءات كالخدمة المدنية والمالية والتخطيط، كان الحدث يستحق ظهورا واسعا لمسؤولين من تلك القطاعات ليشرح ويوضح للناس ما حدث وآلية تنفيذه على الواقع، لم يحدث شيء من ذلك ولم ينشغل الناس بتفسير ما حدث بل انشغلوا بما هو أهم من ذلك؛ انشغلوا بقطع الطريق على من يسعى للمزايدة عليهم في مواطنتهم واستغلال تلك القرارات لبث مزيد من الشائعات أو افتعال الضجيج حول الاستقرار المعيشي للناس، كان الواقع ملفتا للغاية ومطمئنا كذلك.

وبعد ما يزيد على ثلاثة أسابيع من صدور تلك القرارات ومن صمت الوزارات المعنية بشرحها وتنفيذها ومن اجتهاد الناس وانصرافهم من التفسيرات إلى الدفاع عن القرارات رغم أنها تمسهم بشكل مباشر، جاء حديث المسؤولين ليغير المعادلة بالكامل، لقد استثارت تلك التصريحات الناس وأكدت أنهم أكثر جدوى من بعض المسؤولين ذوي التصريحات التي تبث الذعر والقلق والإحباط، كان المناخ أكثر إيجابية قبل حديثهم، وأصبح إيجابيا أيضا بعد حديثهم حينما تصدى المجتمع لتلك التصريحات. وظهر أنه أكثر إيمانا بأفراد مجتمعه وباقتصاده من مسؤولين يعتمدون على دراسات وانطباعات عامة وقديمة.

كل هذا يمكن أن يمثل تجسيدا حقيقيا لما نبه إليه ولي ولي العهد في المقابلة، فالشارع السعودي هو الرؤية وهو المستقبل ليس تلقيا لها بل تنفيذا وإدارة وبناء لقيمها الكبرى ودفاعا عنها حتى أمام من يفترض أنهم جانب من فريقها التنفيذي.