جناية التعصب الطائفي على الحقيقة والمعرفة بالغة جد كبيرة، فهو لا يسبب الاحتراب والاقتتال والفرقة والخصام فحسب، بل يساهم في تشويه المفاهيم وتزييف الحقائق، حيث تعاد صياغة التاريخ وفق مفرزة الصراع الطائفي، وينشأ جيل يتلقى وقائع التاريخ بصورة ملونة من وحي الاحتقان والخصام فتتراكم في المناهج والدروس والكتب حتى تصبح جزءا من الوعي الحاضر والعقل الباطن، فتغدو مهمة الوصول إلى الحقيقة صافية من شوائب الخصومة ومكائد الشقاق عملية صعبة تحتاج إلى تجرد وسعة صدر وصدق في التخلص من الترسبات والمواقف الموروثة المسبقة.

على مدى ألف عام، كان الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة من أكثر الميادين اشتعالا وصخبا والتهابا، بسببه ألفت مئات الكتب، وقامت المناظرات والمساجلات العلمية، وحدثت جراءه مصادمات وحروب وفتن أرهقت الوجدان الإسلامي وأثقلت كاهله.

من أبرز حقول الاختلاف هو (الموقف من آل البيت)، حيث تشكل مسألة آل البيت ركنا ركينا من الفكر الشيعي، ومكونا أساسيا لهويته، لكن يجب التأكيد هنا على نقطة مهمة، قد تكون بدهية لكنها قد تضيع ويطالها الغبش مع الشد والتجاذب الطائفي، وهي أن قضية آل البيت مسألة تهم عموم المسلمين، لا تختص بفئة أو طائفة دون غيرها، وتوقيرهم وإجلالهم واحترامهم، وإنزالهم مقامهم هو مفهوم إسلامي عام تأصل وترسخ قبل أن تتشكل المذاهب وتتضح معالمها، فهو أمر يجمع عليه عامة المسلمين إلا ما شذ منهم أو ندر، أما الخلاف فقد طرأ بسبب التفاصيل والكيفية التي يكون بها هذا (الإجلال والاحترام) لآل البيت عليهم السلام.

لكن مع الخصومة والخلاف بين السنة والشيعة، وتمحور الهوية الشيعية بشكل رئيسي حول قضية آل البيت إلى درجة تنزع فيها بعض الخطابات المتشددة إلى وصف كل من يخالف أو يعادي مذهب التشيع بأنه يعادي بالضرورة أهل البيت!.. قد يتسرب ظن إلى بعض أبناء السنة أو غيرهم أن مسألة العناية بآل البيت والحديث عن فضائلهم، وفضائل الحسن والحسين رضوان الله عليهما هي مسألة شيعية خاصة، وكردة فعل لتراكم الصراع المتبادل قد ينزع بعض السنة إلى مواقف طارئة ليست أصيلة في التراث الإسلامي، مثل الدفاع عن بعض الشخصيات التي لا تحتل مكانة أصيلة في الموقف السني، وصياغتها ضمن قالب آخر، وإضفاء هالة من التقدير عليها نتيجة للخلاف، ورد فعل لمزايدة الطرف الآخر.

حين نتأمل الموقف التقليدي لأهل السنة من حادثة الفتنة التي جرت بين الصحابة وأسهمت في تكوين الانقسام المذهبي، نجد أن الفكر السني يقوم في أصله على روح وحدوية شمولية تجاه جميع الصحابة، انطلاقا من مبدأ جمع الكلمة، وقطع الطريق أمام كل ما قد يتسبب في بث روح الفرقة والاختلاف. فالأصل هو رعاية حق جميع الصحابة وإجلالهم واحترامهم دون استثناء، فكلهم عدول أصحاب الفضل والسابقة الأولى. لذلك جاء التأكيد الشديد على النهي عن سب أي أحد منهم أو تنقصه، كما يقول الإمام النووي: «وكلهم عدول رضي الله عنهم، ومتأولون في حروبهم وغيرها، ولم يخرج شيء من ذلك أحداً منهم عن العدالة... ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم، وكمال عدالتهم»، ويقرر ابن الصلاح في مقدمته: «إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم كذلك، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحساناً للظن بهم، نظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر». لأجل ذلك كان موقف أهل السنة الكف والإمساك عن الخوض فيما جرى بين الصحابة من أحداث الفتنة، وكراهة البحث والتنقيب فيها قطعا لدابر الضغائن والإحن. وفي هذا يروي إبراهيم بن آزر الفقيه، فيقول: «حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية؟ فأعرض عنه، فقيل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم فأقبل له، فأقبل عليه ثم قرأ (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، ثم قال: «هذه دماء طهر الله منها أيدينا فلنكف عنها ألسنتنا».

لكن هذا المبدأ لا يمنع من تحري الحق، وتقريره دون التوقف حوله كثيرا والخوض فيه، حتى لا نكون أسرى لخلافات الماضي، فأحداث التاريخ تمضي، وصفحاته تطوى، ولا يمكن أن تكون هذه الأحداث متوافقة دائما مع أفكارنا ومبادئنا.

فعقيدة أهل السنة والجماعة ترى أن الحق كان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأتباعه، وليس مع معاوية، يقرر ذلك بوضوح شيخ الإسلام ابن تيمية – وهو الرمز الأبرز في تاريخ الفكر السلفي- فيقول: «علي وأصحابه أولى بالحق وأقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه كما في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي عليه السلام قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فتقتلهم أولى الطائفتين بالحق). وروي في الصحيح أيضا: (أدنى الطائفتين إلى الحق)، وكان سب علي ولعنه من البغي الذي استحقت به الطائفة أن يقال لها: الطائفة الباغية، كما رواه البخاري في صحيحه، (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار). ومعلوم أن عمار بن ياسر قد قُتل على يد جيش معاوية، وهذا أيضا يدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار، وإن كان متأولا، وهو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال علي، وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولا أو باغ بلا تأويل وهو أصح القولين لأصحابنا وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليا وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين».

إذن المسألة هنا على شقين: الأول أن الحق والصواب كان مع علي، بل إن ابن تيمية أكد بأن من يقول بأن أحدا غير علي هو أولى بالحق فما هو «إلا مبتدع ضال».

الشق الآخر هو تحديد الفئة الباغية، وهنا يأتي الخلاف والإشكال في كيفية صياغة هذا الأمر وتقريره بوضوح دون أن يخل ذلك بمبدأ روح جمع الكلمة، والموقف الوحدوي الشمولي من جميع الصحابة، وفي الفئة المقابلة التي توصف بأنها مخطئة باغية رجال من كبار الصحابة أمثال طلحة بن عبيدالله، والزبير بن العوام.

يجيب ابن تيمية عن هذه المسألة، ويسوق بعض الأقوال حولها في كتاب الإيمان من مجموع الفتاوى، فيقول: «وقد أنكر يحيى بن معين على الشافعي استدلاله بسيرة علي في قتال البغاة المتأولين قال: أيجعل طلحة والزبير بغاة؟ رد عليه الإمام أحمد فقال ويحك وأي شيء يسعه أن يضع في هذا المقام. يعني إن لم يقتد بسيرة علي في ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة. والقول الثاني: أن كلا منهما مصيب وهذا بناء على قول من يقول: كل مجتهد مصيب. وهو قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية. وفيها قول ثالث: أن المصيب واحد لا بعينه... وهذا القول يشبه قول المتوقفين في خلافة علي من أهل البصرة وأهل الحديث وأهل الكلام، كالكرامية الذين يقولون، كلاهما كان إماما ويجوزون عقد الخلافة لاثنين. لكن المنصوص عن أحمد تبديع من توقف في خلافة علي وقال: هو أضل من حمار أهله.. ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه ولا شكوا في ذلك. فتصويب أحدهما لا بعينه تجويز لأن يكون غير علي أولى منه بالحق وهذا لا يقوله إلا مبتدع ضال فيه نوع من النصب وإن كان متأولا، لكن قد يسكت بعضهم عن تخطئة أحد كما يمسكون عن ذمه والطعن عليه إمساكا عما شجر بينهم وهذا يشبه قول من يصوب الطائفتين. ولم يسترب أئمة السنة وعلماء الحديث أن عليا أولى بالحق وأقرب إليه كما دل عليه النص وإن استرابوا في وصف الطائفة الأخرى بظلم أو بغي».

نتيجة لهذه المعادلة المتداخلة التي تسعى إلى جمع الكلمة، وتوحيد الصف، مع تقرير الفئة التي كانت هي الأحق والأصوب، يختم ابن تيمية كلامه مؤكدا أن اعتزال الفتنة والكف عن القتال كان هو المنهج الأولى والأسلم: «ولأجل هذه النصوص لا يختلف أصحابنا أن ترك علي القتال كان أفضل لأن النصوص صرحت بأن القاعد فيها خير من القائم والبعد عنها خير من الوقوع فيها. قالوا ورجحان العمل يظهر برجحان عاقبته ومن المعلوم أنهم إذا لم يبدؤوه بقتال فلو لم يقاتلهم لم يقع أكثر مما وقع من خروجهم عن طاعته، لكن بالقتال زاد البلاء وسفكت الدماء وتنافرت القلوب وخرجت عليه الخوارج وحكم الحكمان حتى سمي منازعه بأمير المؤمنين فظهر من المفاسد ما لم يكن قبل القتال ولم يحصل به مصلحة راجحة».

لكن فتيل الاقتتال الطائفي حين يشتعل فإن ناره لا تكف عن الثوران والهيجان، وفي سبيل ذلك تتعرض الحقيقة للتشويه والتحريف، ويصبح الحال كما يصفه ابن الجوزي: «وقد تعصب قوم ممن يدعي السنة فوضعوا في فضل معاوية أحاديث ليغضبوا الشيعة وتعصب قوم من الشيعة فوضعوا في ذمه أحاديث، وكلا الفريقين على الخطأ القبيح».