وصف أحد الشعراء القدامى حال أحد معاصريه الذين أثروا بطريقة غير مشروعة، ثم أخذ يتصدق ويبني مسجداً مما جمعه من أموال حصل عليها بغير وجه حق فقال ذلك الشاعر:

بنى مسجداً لله من غير حِلِّه

فكان بحمد الله غير موفق

وسبق لي أن رويت طرفة تجسد الطريقة التي يفكر ويتصرف بها هذا النوع من آكلي المال العام أو الخاص بالباطل، المتصدقين بجزء منه لكسب حسنات تغطي ما جنوه من سيئات، وكانت تلك الطرفة عن رجل جاء لبائع فاكهة وأخذ من دكانه تفاحة دون أن يدفع ثمنها، ثم سار بها خطوات قليلة حتى وصل إلى طفل بائس جلس يشحذ المارة على قارعة الطريق فأعطاه التفاحة، ثم التفت إلى صاحب الدكان وسأله عن رأيه في ما فعله فرد عليه البائع قائلاً: أرجو أن تفسر لي أنت ما قمت به، فأجابه: لقد أخذت التفاحة من دكانك دون دفع ثمنها فكتبت علي سيئة واحدة وتصدقت بها فكتبت لي عشر حسنات فإذا خصمنا السيئة الواحدة من الحسنات العشر بقيت لي تسع حسنات!

فتبسم صاحب الدكان ساخراً من قوله وقال له: أيها الفصيح.. لقد عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء.. لقد أخذت التفاحة دون دفع ثمنها فكتبت عليك سيئة، ثم تصدقت بها ولم تكسب شيئاً لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً فبقيت السيئة معلقة على ظهرك وعنقك حتى تدفع ثمن التفاحة وتعيد الحق لصاحبه وتتوب إلى الله توبة نصوحاً!

وما ينطبق على التفاحة المأخوذة بغير حق ينطبق قطعاً وبصورة أشد وأنكى على من ينهب أموالاً عامة أو خاصة ثم بعد أن يأكلها ويهضمها ويتجشأ، تنتابه حالة من الأريحية المزعومة، فتراه يخرج شيئاً من تلك الأموال تحت شعار وستار الأعمال الخيرية والإنسانية والاجتماعية، ولو أنهم كانوا من أصحاب العقول والفطنة لطيبوا مطاعمهم ليكونوا مستجابي الدعوة مقبولة صدقاتهم ولكنهم أبوا إلا أن يكونوا «كمطعمة الأيتام».