الآن بعد هذه الصولة الجامحة التي قام بها المستشارون والخبراء الاقتصاديون وجيوش المحاسبين لضبط الأحوال المالية بشكل عاجل، نحتاج صولة موازية من خبراء علم الاجتماع والأطباء النفسيين لدراسة آثار هذه الإجراءات التقشفية على المواطن (المنتف) الذي وجد نفسه فجأة في مواجهة واقع جديد لم يعتده من قبل، ثم العودة من جديد إلى المستشارين الاقتصاديين وجيوش المحاسبين لإبلاغهم بحجم الكلفة المالية (الموازية) التي تحتاجها البلاد لمعالجة المشكلات الاجتماعية الأمنية التي يمكن أن ينتجها أي تقشف غير متوازن.

نعم.. الوضع اليوم يحتاج إلى ساعة هدوء مع فنجان قهوة بنكهة الزعفران.. والتفكير العميق في قدرة ملايين الناس الذين يتشبثون عبثا بحافة الطبقة المتوسطة كي لا يسقطوا في حفرة الطبقة الفقيرة، حيث الحياة الخانقة الصعبة التي تتعزز فيها أسباب الجهل والجريمة والإرهاب، ولا يخفى على عاقل أن كلفة مواجهة مثل هذه الأخطار الأمنية والاجتماعية قد تزيد على المبالغ التي تم توفيرها من الإجراءات التقشفية العاجلة وهكذا: (وكأنك يا أبو زيد ما غزيت)!.

أمامنا صورة قد لا تكون مرئية للخبراء الاقتصاديين، ولكنها موجودة في كل حي وشارع، صورة بالأبيض والأسود لرب أسرة (منتف) طارت البدلات من راتبه، وزادت كلفة رسوم الخدمات التي يدفعها، وعليه أن يتحول إلى بهلوان عجيب كي يستوعب هذه الحسبة الجديدة، ويعتاد هو وأفراد عائلته على التكيف مع منحنياتها الخانقة، وفي الوقت ذاته من واجبه أن يرعى أولاده ويعلمهم تعليما جيدا؛ كي يكونوا قادرين على المشاركة في تطوير الوطن من خلال رؤية 2030. رب الأسرة (المنتف) هذا نحتاج بشدة اليوم أن نضع صورته الغائبة في منتصف القاعة؛ لأنه حجر الزاوية في تحقيق كل ما نطمح إليه وفي تجنب كل ما نخشاه.

لا بد من استراحة موقتة للمحاسبين والتفكير في تجنيب بعض الشرائح محدودة الدخل الآثار الطاحنة لأزمتنا الاقتصادية ودعمها إن دعت الضرورة.. أعرف بأن كلمة (دعم) ليست مستحبة هذه الأيام، ولكنها في بعض الحالات ضرورية وتقي من كلفة أضعاف كلفتها.