هل سيبلغ الحالُ بالمثقفين يوماً أن يمدوا أيديهم لذي مالٍ يطلبونه الفزعة ليقيموا مؤتمراً أو ملتقى أو ندوة؟ ربما بلغ الحال. وربما دفع لهم بعض أرباب المال والأعمال من باب (أحط من مالي ولا يرمى خيالي). أو بحكم علاقات خاصة جداً مع بعض منسوبي المؤسسة. أو ربما تكون من الزكاة. أو ربما من المصروفات النثرية. أكثرتُ هنا من (ربمياتي).

المؤسسة الثقافية. سواء ناديا أدبيا. أو فرع جمعية ثقافة. يفترض أنها مؤسسات مجتمع مدني. وأنها مستقلة إدارياً ومالياً. وغير خاضعة للوصاية. هذا كله افتراضات. عملياً لا استقلالية ولا هم يحزنون. الدولة أسهمت كثيراً في دعم المؤسسات الثقافية بما أمكنها. إلا أن المؤسسة الثقافية لم تقم عليها عقليات استثمارية كتلك التي قامت على جمعيات البر والتحفيظ. والأندية الرياضية. إذ نجح هؤلاء في توفير أراض وجمعوا لها تبرعات. وبُنيتْ أوقافٌ تُدرُّ عليهم مبالغ طائلة ويستاهلون.

العقلية الثقافية النخبوية ليست استثمارية. بل المثقف العضوي عاجز عن إدارة نفسه ناهيك عن إدارة أملاك. ولذا تجد معظم المثقفين يعيشون الكفاف. إن لم يتكبّدوا الديون. في غفلة من مؤسساتهم عنهم أو بعلم. وبعض مسؤولي زمان. أنزل الله في قلبه رأفة ورحمة. فاشترى مؤلفات. وبعضهم تكفّل بتأمين مسكن أو توفير مصروف شهري. لكن يبدو أن زمنا كهذا قد فات.

من حق كل مؤسسات العالم المدنية أن تحصل على تمويل طالما لا يؤثر ذلك على استقلاليتها. وأن تنال دعما من مراكز وجهات. بعلم الحكومات. إلا أن المثقف المنتمي لأي مؤسسة مجتمع مدني لا ينال راتبا ولا منصبا. فكل المثقفين في المؤسسة سواء. ولذا لم تكن الثقافة سلطة. ولم يعمد مثقف نابض بالثقافة إلى أن يكون وجيهاً. فأعظم مثقفي العالم وفنانيه خرجوا من بين البسطاء والمتعبين في الأرض.

مؤسف أنه لا توجد إستراتيجيات ثقافية ممولة. وبعض مؤسساتنا إما تديره القبيلة. أو الأيديولوجيا. أو محاصصة. وأرجو ألا يأتي علينا زمن نطوف الميادين والطرقات ونردد (حسنة للمثقفين يا محسنين). علماً بأنه لن يتجاوب معنا كل أحد. لأن تبرعهم لجمعيات خيرية ينفعهم في الآخرة. ودعم النادي الرياضي يمنح شهرة في الدنيا. وربما كان التبرع للثقافة محقا للبركة. علمي وسلامتكم.