في الثامن من شهر رمضان عام 1385هـ/‏1965م أرسل الشيخ عبدالعزيز بن باز رسالة إلى مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم ينبهه فيها حول ظاهرة انتشار كثير من الكتب والصحف والمجلات المفسدة للعقائد والأخلاق في المكتبات التجارية، مقترحاً تشكيل لجنة من أعضاء رئاسة القضاء، وأعضاء من دار الإفتاء أو من غيرهم «لدراسة موضوع التفتيش عن مثل هذه الكتب والمجلات المنوه عنها، ومراقبة المكتبات»، حتى لا تكون متداولة ومنتشرة بين الناس.

رد الشيخ ابن إبراهيم على رسالته مؤكداً أن موضوع الكتب والمجلات المفسدة للعقائد والأخلاق هي «محل اهتمامنا منذ زمن طويل، وقد جرى بشأنه بحوث عديدة مع ولاة الأمر انتهت بالموافقة على إحداث تسع وظائف في ميزانية العام الماضي جميعها بالمرتبة الخامسة، لشغلها بمراقبين أكفاء.. لإحاطتكم والسلام».

كانت الصحافة العربية والمصرية على وجه الخصوص تعج في الستينيات الميلادية بأفكار القومية والنضال والوحدة العربية، ونقاشات الاشتراكية، ونداءات التقدمية، والهجوم على الرجعية. إضافة إلى خط آخر من الصحف والمجلات التي كانت تهتم بشؤون الثقافة وأخبار الفن والمسرح والأدب. من أشهرها آنذاك مجلة الهلال، وروز اليوسف، والمصور، وآخر ساعة، وغيرها من المجلات والإصدارات التي كانت تحظى باهتمام ومتابعة على مستوى العالم العربي وفي السعودية أيضا. وربما تسلل من وحي أفكارها بعض من الصوت الذي يتردد صداه في أروقة الصحافة المحلية، وهذا ما كان يقلق بعض المشايخ، ويدفعهم إلى التأكيد المستمر على خطر هذه الصحف والمجلات وضرورة منعها ومراقبتها.

من أمثلة هذه المواقف الحاسمة المبكرة من الصحافة وسجالات الصحفيين فتوى للشيخ ابن باز كان عنوانها: (يجب أن تمنع الصحف والمجلات التي تتهجم على الإسلام وأهله). حين سأله سائل يقول: «مجلة عربية تصدر في بلد عربي تقول إنه لا يفتي بتحريم الغناء أو الموسيقى إلا متزمت جهول، ثم يسوق أيضاً ألواناً في أعداد مختلفة من هذه المجلة تبيح السفور المحتشم حيث تقول إن الإسلام لا يدعو إلى الحجاب المتزمت الذي نراه في الكثير في البلاد العربية والإسلامية، وتشكك المجلة في حرمة التصوير، وفي الحديث الذي ورد في صحيح البخاري، وتدعي أنه مدسوس في كتب الحديث، وإذا كان التصوير حراماً فلماذا لم ينه القرآن عنه صراحةً.. إلى غير ذلك، ويقول السائل: لماذا يسمح لمثل هذه المجلات بالتطاول على الإسلام، ويسأل عن الحكم الشرعي الصريح في هذه القضايا الثلاث؟».

فكان جواب ابن باز: «هذه المجلة وأشباهها ينبغي أن تمنع، وينبغي أن يُقضى عليها لأن هؤلاء المتكلمين فيها بهذا الكلام ليس عندهم علم ولا بصيرة، ولا أدب شرعي، حتى الأدب الشرعي ليس عندهم أدب شرعي، فهذه المسائل بيّنها أهل العلم، وأقاموا عليها الدليل، فلا وجه للاعتراض من جاهل مركب لا درى ولا درى أنه ما درى، هذا جاهل مركب، أو متعمد للباطل، والفسق».

في هذا السياق كان الشيخ عبدالرحمن الدوسري من مقر إقامته في الكويت يراسل ابن باز بشكل مستمر، ويحذره في رسائل متكررة عن خطر بعض الصحف العربية، وأثرها في نشر «الشيوعية والإلحاد، والإباحية والخلاعة والفسوق»، وتحوي بعض رسائله لغة عتب قاسية على التهاون الذي يحدث في السعودية والتقصير في مواجهة ومكافحة هذه الصحف والمجلات «القومية المنحلة» حسب رأيه. (جمعت هذه الرسائل ضمن كتاب: الرسائل المتبادلة بين الشيخ ابن باز والعلماء، إعداد: محمد الموسى، ومحمد الحمد).

يقول في رسالة موجهة لابن باز، بتاريخ 26/‏6/‏1380هـ (1960م): «واصلوا كفاحكم في الصحف الخارجية، وصحيفة اليمامة عندكم أيضاً، ونبهوا المسؤولين دائما أن من وراءها من الزعماء المتربصين يسعون في تحطيم كيانكم بشتى الوسائل والأساليب، ويواصلون العمل على إفساد قلوب رعاياكم عليكم، وإفساد أخلاقهم».

كان الدوسري منشغلا كثيرا بالرد على الأفكار القومية، والاشتراكية، وسبق أن نشر سلسلة مقالات مطولة تصل لأكثر من 25 جزءاً في صحيفة القصيم عام 1962 بعنوان (نقد من الكويت) لمناقشة من أسماهم «أدعياء العروبة، أصحاب فرية الاشتراكية العربية، زبالة الشيوعية»، حيث كان يرى أن الصحف والمجلات العربية، إضافة إلى مدارس التعليم العام هي المعاقل الأبرز لتغلغل وتمدد الأفكار القومية والاشتراكية. حيث يقول في رسالة أخرى لابن باز: «انتهزوا عودة الملك المحبوب بطلب منع الصحف والمجلات والنشرات الخبيثة، والنظر في إصلاح المعارف وإلحاق مدارس البنات برئاسة المعاهد، والإشارة على جلالته بتخفيض عدد المدارس ما أمكن، وقصر الثانويات على المدن الكبار كجدة ومكة والرياض وبريدة فقط، وتقوية مادة الدين تقوية تامة». كان مقصد الدوسري من الحث على منع التوسع في فتح المدارس منطلقا من إيمانه بأن فتح المزيد من المدارس سيعني بالضرورة استقدام المعلمين من الدول العربية المجاورة وعلى رأسها مصر، وهذا سيشكل خطرا بالغا على عقول الطلاب، لأن أغلب المدرسين سيكونون دعاة لأفكار القومية والشيوعية. فالأولى سد الذريعة من خلال تقليل فتح المدارس، وتعزيز المناهج الدينية وتقويتها.

يوضح الدوسري فكرته عن خطر الصحافة، واستقدام المعلمين الأجانب على عقول الجيل الجديد من الطلاب في رسالة مفصلة أخرى، أرسلها في عام 1381هــ، يقول: «لا يخفى على فضيلتكم مساوئ القومية الوثنية وما حملته وتحمله من تحطيم ديننا وأخلاقنا، وأعراضنا وأموالنا، زيادة على ما يبذله طغاتها من نشيط كبير في تحطيم كياننا، وتكييف أولادنا بعقيدة إلحادية ومذاهب شيوعية باسم الاشتراكية الزائف المعسول. وما ذلك إلا لقوة التوجيه، ومواصلة غسل الأدمغة في جميع الأساليب وبالأخص التعليم، بما يجلبه من جيش المعلمين الجرار، الذي لا يسمح لأحد منهم بالسفر حتى يقدم شهادة حضور التدريب في الرابطة القومية، لتركيز البث والتوجيه في الأقطار المنتدب إليها... وقد نُشر هذا الخبر جهارا هذه السنة في أغلب الصحف بعد أن كان كسر مكتوم. ومن جملة ما نشرته جريدة (الأهرام) الشبه رسمية في عددها 27288 بتاريخ 17 ربيع الأول 1381هـ».

يطلب الدوسري من ابن باز أن يقوم بالعمل السريع على التقليل من جلب المعلمين، «وذلك بتقليل المدارس، وعلى الأخص المدارس الثانوية، بحيث يكتفى بمدرستين فقط في نجد جميعها، أحدهما في الرياض، والأخرى في بريدة عاصمة القصيم... مع ملاحظة الاستغناء عن مدرسي الجمهورية (المصرية) غاية الإمكان. والأمر المهم عدم ابتعاث أحد من طلبة المملكة إلى الجمهورية، لقوة الدعاية فيها إلى الشيوعية والإباحية، والتحلل والفسوق، فالمرجو من فضيلتكم رعاية هذه النقطة، والاهتمام بها، بحيث لا يسمح ولا بابتعاث مبعوث واحد، فإن صرفهم إلى أمريكا، أجدى نفعاً وأقل ضرراً».

في ختام رسالته، يورد الدوسري مثالاً للتأكيد على مدى أهمية كلامه، وذلك مما لاحظه مؤخرا في بريدة بالقصيم. حيث يقول: «لا يفوتني تذكيركم بأن القصيم الذي هو ركيزة التوحيد في نجد، أصبح الآن فيه شباب ينكرون الخالق (...)!». وهذا بسبب التساهل في فتح المجال أمام استيراد الصحف والمجلات، واستقدام المعلمين الأجانب، يقول: «وما جرى هذا إلا من ثقتكم بأعدائكم، وإسنادكم الأمور إلى غير أهلها عن سلامة صدر كما هي عادة من قبلكم.. فالله الله التفتوا إلى واقعكم الأليم وخذوا من غيركم العبرة، وانظروا في أنجع الطرق لتربية، وصيانة عقول الشباب، وإبعاد (الجلب المصري) -يقصد استقدام المعلمين من مصر- والابتعاد عنه غاية الإمكان».