علاقة الإنسان بالزمان متلازمة كعلاقته بالمكان، ونشعر بالوقت في حياتنا ونحسب الساعات والأيام والسنين ونتهيأ للمناسبات، وفي هذا ظل التقويم الهجري منظما وضابطا لتفاصيل كثيرة في حياتنا. والشهور ومسمياتها ودورتها تشكل ثقافة الشعوب وتضبط عليها أنساق حياتها من عادات وتقاليد، وحتى في مواعيد الدخل المالي الشهري وما يرتبط بذلك من إنفاق وأقساط وفواتير وتسوق وغير ذلك، وهكذا ارتبطنا بالتقويم الهجري جيلا بعد جيل وصاغ تفاصيل دقيقة في حياة المجتمع، لكن المتغيرات تفعل فعلها والعولمة والتحديات الاقتصادية والثقافية تعيد تشكيل أشياء كثيرة على مستوى الدول والشعوب.

مع تحول صرف رواتب موظفي الدولة إلى الشهور الشمسية ذات الفارق القليل من الأيام مع التقويم الميلادي، والفارق الأكبر مع التقويم القمري الهجري الذي يبلغ 11 يوما كل عام، لا بد أن يعيد المجتمع هيكلة تفاصيل علاقته بدورة الشهور الشمسية ومنها مواعيد صرف الراتب وتفاصيل الإنفاق، ناهيك عن حتمية حفظ مسميات الشهور الشمسية البرجية في ذهنية وذاكرة أفراد المجتمع، وعليه أن يتقن ترتيبها خاصة أن صرف الراتب سيحل في الخامس من كل شهر شمسي محل الخامس والعشرين من الشهور الهجرية التي استقرت حميميتها في وجدان المجتمع، وما استقر معها من مناسبات الأعياد وشهر رمضان، ولهذا يتطلب التكيف وقتا ربما يطول وسيضطر الناس إلى حفظ أسماء وترتيب الشهور الشمسية على طريقة حفظ جدول الضرب الذي تعلمناه في المرحلة الابتدائية.

نعرف أن تحويل الرواتب إلى الشهور الشمسية له أسباب عديدة، الجانب الاقتصادي سيكون مفيدا لأن الميزانية العامة للدولة مرتبطة به في توحيد المعاملات المالية، كما أنها الأقرب للميلادي الذي يتعامل به قطاع البنوك والعمليات المالية والبورصات في الداخل والخارج، ولنتذكر تغيير الإجازة الأسبوعية إلى يومي الجمعة والسبت، وهذا زاد من أيام تعامل الاقتصاد الوطني مع الدورة الأسبوعية للاقتصاد العالمي.

نتفهم ضرورة تحويل الرواتب إلى التقويم الشمسي الذي سيوفر ما يقرب من عشرة مليارات ريال هي قيمة رواتب 11 يوما، وذلك ضمن إجراءات رفع كفاءة الإنفاق وتخفيض نسبة الرواتب 5% يقابلها رفع كفاءة العمل والإنتاجية، والدولة اتخذت وتتخذ إجراءات عدة لزوم خطة التحول الوطني، وكل خطوة تستهدف صالح الوطن وتفعيل التنمية لمواجهة التحديات، وتحقيق نتائج إيجابية خاصة رفع إنتاجية الموظف ومعالجة الهدر المالي وزيادة نسبة التوظيف، وإن كان البعض يرى أن المبلغ المتوفر من قيمة 11 يوما سنويا كان يمكن معالجتها بطريقة أخرى في نظر من يرى أهمية استمرار العمل بالتقويم الهجري.

بالتأكيد ستحدث ارتباكات مادية، خاصة في مناسبات كشهر رمضان الذي لن يوافق حلوله ونهايته موعد صرف راتبه بالتقويم الشمسي، ومن ثم قد يحدث الخلل المادي في مناسبات مختلفة مثل الأعياد، وسيحتاج التكيف مع الوضع الجديد إلى وقت، ونتذكر أن أشياء كثيرة استجدت في حياة المجتمع وتقبلها بصعوبة لكنها اليوم أصبحت معتادة، وفي كل الأحوال يظل الجانب النفسي والثقافي المرتبط بالقيمة التاريخية للتقويم الهجري الذي يغذي الهوية الإسلامية، ونتمنى ألا يؤثر ضبط الرواتب بالشهور الشمسية على هذا الارتباط الحميم، وهنا يقفز السؤال: هل ستتم المعاملات الحكومية بالتقويم الهجري بينما الراتب فقط بالشهور الشمسية؟ وماذا عن تواريخ الشيكات والكمبيالات والعقود والأقساط؟ تفاصيل قد تحتاج إلى قرارات لاحقة، وبالتأكيد شروحات وحوار تثقيفي جاد دون تسطيحات فوضى التواصل الاجتماعي.