في صباح ذلك اليوم، كانت مفكرة مواعيدي تتضمن جلسة وحيدة بالمحكمة العامة، إنها جلسة النطق بالحكم في القضية التي استغرقت مني 7 سنوات لأصل بها إلى هذه اللحظة الحاسمة، هي للأمانة قضية معقدة بعض الشيء ومستنداتها عديدة وفيها أكثر من طرفين، ومع هذا كله كان من المفترض أن تنتهي خلال سنتين بالكثير، لكن المواعيد كانت متباعدة كما تعاقب على نظرها ثلاثة قضاة لكل منهم رؤيته وطلباته، المهم أنني اليوم سعيد بالوصول إلى هذه المرحلة، ولا أريد أن أتذكر ما ينغص علي فرحتي أو يقلل من حجم النجاح الذي وصلت إليه !؟ حين نادى كاتب الضبط على قضيتنا، وتقدمت إلى المنصة وألقيت السلام على فضيلته، رد علي بمثله وهو مبتسم وزاد على ذلك أن قدم لي المجمر لأتبخر منه، هذا القاضي الشاب كان دائماً ما يأسرنا بحسن استماعه ونقاوة قلبه وطيب تعامله، المهم أنني وقفت أمام المنبر المخصص للمحامين المترافعين، وقفت منتشياً في حضرة المتخاصمين الذين تمتلئ بهم القاعة أنتظر لحظة النطق بالحكم الذي طال انتظاره، هنا أخذ القاضي يسرد علينا الوقائع والحيثيات والحكم الذي كان مفاجئاً حتى للمدعى عليهم: حكمت المحكمة بصرف النظر عن هذه الدعوى لعدم الاختصاص الولائي !!

في الحقيقة لا أتذكر بالضبط كيف كانت ردة فعلي الغاضبة في تلك اللحظة، كل ما أتذكره أن القاضي -كثر خيره- تحملني واكتفى بتوبيخي قائلاً بأنه لو لم يكن يعرف أخلاقي ويقدر أسباب غضبي لتصرف معي تصرفاً آخر. إذا أردتم أن تعرفوا (سر ضياع الحقوق) فهو باختصار شديد الدفع النظامي الذي يسمى (عدم الاختصاص الولائي) أي أن الدعوى المنظورة أمام المحكمة لا تدخل ضمن ولايتها ولا يحق لها النظر فيها، هذا الدفع يمكن أن تحكم به المحكمة من تلقاء نفسها أو بموجب طلب يتقدم به أحد طرفي النزاع، والأخطر من هذا كله أن هذا الدفع يمكن إبداؤه في أي مرحلة تكون عليها الدعوى لأنه يتعلق بالنظام العام، يعني المحكمة تقبل الدعوى وتستدعي الخصوم وتستمع للشهود وتضبط اللوائح وتجري المرافعة لسنوات ثم تأتي ساعة الحكم لتقول لهم بكل هدوء (أنا مالي شغل فيكم)!؟

لقد نجحت بحمد الله في كسب الاستئناف الذي أيد كافة دفوعي النظامية وأعاد القضية لنفس القاضي ليحكم فيها، عادت المعاملة ولكن القاضي نقل إلى محكمة أخرى وجاء بدلاً عنه القاضي الرابع في زمن هذه القضية، والذي يتعين عليه مخاطبة الاستئناف وطلب الإذن لنظرها، ثم يأخذ الوقت الكافي لقراءة ملف القضية وتدوين ملاحظاته وطلباته، وهكذا نسمع بين الفينة والأخرى عن قضية لها خمس أو عشر سنوات حكم فيها بعدم الاختصاص وأعيد نظرها من جديد !! لهذا ألتمس من عدالة المشرع العمل فوراً على تعديل النظام في جزئيتين هما: أن الدفع بعدم الاختصاص الولائي يجب تقديمه قبل بدء النزاع وقبل الكلام في الموضوع وإلا سقط الحق في الإدلاء به، وأن قرار نقل القاضي لمحكمة أخرى يجب أن يتضمن منحه الصلاحية بنظر القضايا التي يجدها أمامه بالدائرة المنقول إليها، وبهذين التعديلين الجوهريين لن تسهم المحكمة فقط في استعادة حقوق الناس بسرعة بل سيكون لها الدور الكبير في الحفاظ على صحتهم من أمراض الضغط والسكر !؟