بعد فيديو (سائق التوكتوك) الذي علق الجرس حول معاناة الطبقة الكادحة في مصر ظهر فيديو آخر لشاب مصري يحرق نفسه على طريقة (البوعزيزي) احتجاجا على غلاء الأسعار الذي جعل الحياة جحيما لا يطاق، وقبل أن ينتهي ملايين الناس من تحميل هذا الفيديو المؤلم انتشر فيديو ثالث لسيدة تتحدث إلى مذيع تلفزيوني حول عجز الناس عن شراء الحاجات الأساسية مثل الزيت والسكر وعدم قدرتهم على تأمين كلفة المواصلات، وبينما كانت كلمات هذه السيدة الموجوعة على أحوال الناس في بلدها تتدفق بحرقة ظهر فيديو رابع لشابة تؤكد عدم جدوى السكوت على حالة بائسة كهذه.

وهكذا انهمر سيل الفيديوهات التي تكشف أن حالة السخط على الوضع العام تقترب من حالة المواجهة وبصورة يصعب إخفاؤها، وقد أربكت هذه الفيديوهات التي جاءت من كل حدب وصوب الآلة الإعلامية للجيش لأنها لم تأت من الإخوان المسلمين عدوهم الأساسي ولا من منظمات المجتمع المدني المتهمة بخدمة مؤامرة كونية ضد مصر.. بل جاءت من الهامش.. من الشوارع الخلفية التي أنهكتها خطوات الكادحين بحثا عن لقمة نظيفة لأولادهم.. إنه صوت الشعب الذي لا يمكن تزويره ورأي الشارع الذي لا يمكن معالجته بتقنية (الفوتوشوب). وفورا تعامل النظام مع هذه الفيديوهات وفق مبدأ: لا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يفل الفيديو إلا الفيديو، فتم تسريب فيديوهات مضادة تعدد الإنجازات التي تم تحقيقها في عهد الرئيس السيسي مثل إنشاء قناة السويس الجديدة، وإنشاء مجمعات سكنية، والاتفاق على مفاعل نووي، وقبل أن ينتهي الفيديو يذكر الناس بأحوال سورية والعراق وليبيا واليمن كي يعرفوا قيمة الحياة التي يعيشونها حتى لو كانت بلا زيت وسكر!.

لم تنجح الفيديوهات المضادة في التغطية على فيديوهات (الناس الغلابة)؛ لأن الأخيرة صادقة، والصدق دائما يغلب الكذب مثلما يغلب النهار الليل، بل تحولت هذه الفيديوهات المضادة إلى مادة للسخرية المصرية اللاذعة ولن يكون غريبا لو حاولت وسائل الإعلام المحسوبة على السلطة في مكافحة سيل الفيديوهات المتتابعة من خلال اختلاق معارك إعلامية مع خصوم خارج مصر لتشتيت الضغط السياسي والشعبي الذي أصبحت تشكله هذه الفيديوهات يوما بعد آخر.

هذه الفيديوهات ليست إلا شيئا صغيرا مما شهدته مصر المحروسة في السنوات الأخيرة ولكنها تكشف بطريقة ما أن البلاد تقف على أعتاب مرحلة جديدة خطرة وقد تكون مهمة السيطرة على غضب الكادحين أصعب بكثير من مهمة السيطرة على الإخوان المسلمين.