إلى الآن يبدو الإعلام السعودي الحكومي والخاص أكثر عقلانية ومسؤولية في تعامله مع التباين القائم في وجهات النظر السياسية بين المملكة ومصر، يقابل هذا وبكل أسف انحراف واسع في الإعلام المصري الشقيق ومزايدات لا تليق بهذه المرحلة ولا بهذا المستوى من العلاقات التاريخية شديدة العمق والرسوخ بين البلدين، وفي الواقع فإن هذا ليس أول تباين في وجهات النظر السياسية بين الرياض والقاهرة ليس على مستوى المواقف بل على مستوى نوع الحكم القائم كما حدث في عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣ حين كان الإخوان المسلمون في سدة الحكم في مصر، ورغم ذلك ظلت العلاقات بين البلدين شعبيا واجتماعيا وسياحيا في نمو وتصاعد وثبات مستمر.

في هذه المرحلة كان لوجود أطراف ما زالت تتأثر بقوة هذا التحالف العميق بين مصر والسعودية دور في إذكاء وتصوير ما يحدث على أنه خلاف عام وشعبي، كل المتعلقين بالإسلام السياسي والحركيين ممن كان التحالف خصما لهم ولمشروعهم تحولوا بين عشية وضحاها إلى محبين للمملكة والخليج وإلى ناصحين حكماء طالما حذرونا من مغبة هذا التحالف مع النظام المصري.

تدرك المملكة أن مصر ليست نظاما ومؤسسة حاكمة بل الأقرب والأهم هو الإنسان المصري تاريخا وحاضرا وبمختلف تشكيلاته اجتماعيا وثقافيا. والدعم الذي ظلت تقدمه المملكة لمصر في فترة حكم الإخوان المسلمين لم يكن بالطبع دعما لحماية النظام بل كان موجها لمصر إنسانا واقتصادا وهو ما كان قائما قبل ذلك التاريخ وسيظل مستمرا ودائما.

هذه فرصة تاريخية لخصوم مصر ولخصوم المملكة أيضا، فالقوى المعادية لثورة الثلاثين من يونيو بدأت تصعد خطابا كيدا وتعريضا بالنظام في مصر وتحالفاته مع المملكة والخليج وإبراز ما حدث كشاهد على صواب مواقفهم السابقة الرافضة له، وكشفت أرقام تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي عن عشرات الآلاف من الحسابات في مختلف المواقع التي تعمل بنشاط على إذكاء الخلاف ورفع لغة التراشق بين رواد تلك الشبكات.

لكن أداء بعض الأسماء والمنابر الإعلامية المصرية هو الذي يغذي للأسف هؤلاء الطامحين إلى توسيع وتصوير ما يحدث على أنه خلاف عام وشعبي، يقدم الإعلام المصري مادة ومبررا لكل ذلك، ولَك أن تقارن بين مقالات وكتابات الصحافة في البلدين لتدرك حجم التباين لغة وخطابا وموقفا.

كما أوضحت شركة أرامكو فلم يكن لإمدادات النفط أية صلة بالتباين في المواقف السياسية ومنذ يومين فقط كانت مصر تتسلم وديعة قدرها مليارا دولار من المملكة بالمقابل حين تتابع جانبا من الإعلام المصري تشعر أنك أمام حفلة من المزايدات على النظام المصري وعلى مصر قبل أن تكون على العلاقات السعودية المصرية.

نحن بمصر ومصر بِنَا تاريخا ومستقبلا، والتحولات التي مرت بها مصر منذ العام ٢٠١١ ليست سوى دليل على ذلك، ولذا فإن الرهان على مصر قائم ومستمر وثابت والشراكة معها مصيرية ودائمة لا يصنعها نظام حاكم ولا يغيرها برنامج تلفزيوني.