فيما مضى كنا نعاني من وجود 20 مليون مدرب لمنتخب كرة القدم، إذ كان كل مواطن لديه خطة لعب تختلف عن خطة المدرب الرسمي حتى جاء هولندي صامت ( لا يكلمنا ولا نكلمه ) وحل جميع مشكلات المنتخب بعيدا عن أعين الـ 20 مليون خبير كروي فأجبرنا على متابعة عمله بصمت, واليوم تغير الحال وأصبح لدينا 20 مليون وزير خارجية لكل واحد منهم خطة عاجلة لترتيب علاقاتنا الدولية ولأن هؤلاء الـ 20 مليون وزير خارجية كانوا قبل عدة أشهر مدربي كرة قدم فإنهم يستخدمون تكتيكاتهم الكروية في عوالم السياسة فأي دولة حليفة تضيع هجمة سياسية خطرة يقترحون استبدالها بدولة أخرى !.

في هذا الزمان الصعب الذي نواجه فيه تقلب أحوال الحلفاء وانقلاب أحوال المنطقة والعالم رأسا على عقب لا يسعى هؤلاء ( المدربون ) أو وزراء الخارجية العفويّون لأن تقوي المملكة تحالفاتها وتعالج الشروخ التي تطرأ هنا وهناك بل يسعون لتخريب هذه العلاقات مع الدول الحليفة أو الشقيقة من خلال تعليقاتهم المتوترة على شبكة الإنترنت, وتماما مثلما يقترحون تشكيلة المنتخب بشكل عشوائي.. نجد هذا لا يريد علاقة طيبة مع مصر..وذاك لا تعجبه تركيا..والثالث يريد استبعاد الولايات المتحدة ( بكبرها ) من قائمة تحالفاتنا.. والرابع لديه مشكلة مع الإمارات التي اختلطت دماء جنودها بجنودنا.. والخامس يكاد أن يحذرنا من أي تقارب أو تعاون مع روسيا.. والسادس يصحو من النوم ويفطر على صحن من ( الشكشوكة ) ثم يقرر التحالف مع إسرائيل !.. وخذ ما تشاء من العبث الذي لا يستند إلى منطق سياسي قدر انطلاقه أحيانا من رغبات حزبية و فكرية وأحيانا أخرى ينطلق من حالات عاطفية موقتة.

لا يريد هؤلاء أن يفهموا أبدا بأن كل هذه الدول الشقيقة أو الصديقة أو الحليفة ذات سيادة ولديها مصالح تختلف أحيانا عن مصالحنا..فحين توثق تركيا مثلا علاقاتها الاقتصادية مع إيران أو حين تصوت مصر مع القرار الروسي في مجلس الأمن أو حين يجري سمو أمير قطر اتصالا بالرئيس الإيراني ليهنئه بالعيد أو حتى حين نتفق نحن أنفسنا بشحمنا ولحمنا مع مجموعة دول بينها إيران على ضبط أسعار النفط فإن كل ذلك يندرج في خانة العلاقات الدولية الطبيعية..فالتحالف لا يعني أبدا تطابق المصالح والرؤى حول مختلف قضايا الأرض !..فلو كان هناك تطابق بين الدول لما كانت ثمة حاجة الى السياسة كلها.. فالسياسة قائمة على فن التعامل مع الاختلافات !.