أزعجتني كثيرا الصورة التي نشرتها «عكاظ» في قلب صفحتها الأولى يوم أمس، ويجب أن تزعج كل إنسان يقدر نعم الله على خلقه، ويرى ما يحدث في كثير من بلدان العالم من مجاعات وفاقة وطوابير لا نهائية تنتظر لقمة تسكت بها صرير الأمعاء التي تتضور جوعا، كانت الصورة لعدد مهول من بقايا أرغفة الخبز، بعضها شبه كامل، منثورة على امتداد أحد الشوارع الترابية المتسخة، في منظر مقزز أخلاقيا وصحيا وحضاريا ودينيا، ومضاد لكل القيم الإنسانية.

منذ الأزل والإنسان يكافح من أجل ضمان الرغيف، رمز الحياة وشعار البقاء.

الرغيف الذي أطاح فقده بإمبراطوريات وعصف بممالك وأقام ثورات غيرت مسارات التأريخ، هو الخط الأحمر الذي لا يسمح الإنسان بتجاوزه والتعدي عليه مهما كانت المبررات والظروف.

لكن يبدو أننا منفصلون عن بقية شعوب العالم وتأريخ المجتمعات الإنسانية، ولذلك لا يعني لنا الرغيف أي رمزية، فتعاملنا معه بمثل هذا البطر والجحود والكفر بالنعمة، رغم أننا نردد باستمرار آيات شكر النعمة.

يقول الخبر الذي أوردته الصحيفة مع الصورة أن نسبة هدر الرغيف وصلت الى ٣٥٪‏ مما تنتجه مخابزنا، نسبة كبيرة كهذه كفيلة بإطعام شعب بأكمله في إحدى الدول التي تعاني من الفقر، وقادرة على إنقاذ مجتمعات كثيرة من طاعون المجاعة.

وأغلب الظن أنها نسبة متحفظة وإلا فإنه لو تم إحصاء كل الهدر من بيوت الصفيح الى القصور المنيفة لحلّ علينا غضب إلهي شديد بعد غضب كل شعوب الأرض علينا وازدرائها لنا.

ولطالما كنا نتندر بحزن على موائد العبث والسفه التي تتكدس عليها الحواشي والخرفان والطيور والأنعام ثم تُرمى في مكبات النفايات، لكن تظل هذه الممارسة الجاهلة محدودة، أما الرغيف فهو نبض الشعب بكل فئاته وطبقاته، وإذا أهان شعب رغيفه فإن الرغيف سينتقم منه انتقاما شديدا ومؤلما.

نطالب الذين يعبثون بالرغيف أن يلقوا نظرة على واحدة من نشرات الأخبار في أي قناة وبأي لغة، حتما لن تكون النشرة خالية من صور المعدمين والمشردين واللاجئين الذين يحلمون بقطعة صغيرة من الرغيف اليابس الذي ألقى به في الشارع بطرهم وجهلهم.

لو تأمل هؤلاء تلك المناظر بأدنى قدر من الإنسانية لتراجعوا عن هذا البغي الذي يعيشون فيه.