مرة أخرى يعود المجتمع السعودي إلى واجهة النقد عبر حادثة جديدة من مفارقاته التي يصعب على المجتمعات الإنسانية استيعابها، ولا يليق بأي إنسان أن ينحاز لتبريرها في محاولة للدفاع عن مجتمع ما زالت بعض مؤسساته الرسمية تشرعن لانهيار قيم الخير والعدل وحق الإنسان في الاختيار ضمن ما كفلته له الشرائع السماوية وأقرته ودعت لتكريسه وحفظه وحمايته من العبث والتعدي.

حادثة قاضي العيينة الذي أصر على تفريق زوجين اختارا حياتهما وأنجبا طفلة ويصران على التشبث ببعضهما البعض بسبب عدم تكافؤ النسب، لا يجب أن ينظر لها كشأن عائلي منفرد أو تعدٍ على خصوصيات الناس وخياراتهم في حياتهم، هي ليست كذلك أبدا، وإنما صورة شاحبة بائسة لقرارات تُتخذ بحق أناس تمس أهم جوانب حياتهم، وإجبارهم على تنفيذها حتى لو تسببت في انهيار حياتهم وتشرد أسرهم والانتهاء بأطفال محقونين بالحقد على كل ما في الكون.

من ذا الذي له الحق في تطليق زوجة من زوجها الذي تحبه وأنجبت منه وتريد العيش معه بقية عمرها. شخص من نفس مجتمعها ويدين بدينها ويمارس أشرف وظيفة فهو جندي يدافع عن وطنه في حدوده الجنوبية. تخيلوا هذا الإنسان وهو يتحسب ويترقب أي طلقة تأتيه من عدو يقابله، لكنها أتته من الخلف، من داخل وطنه لتستقر في وجدانه وقلبه ومشاعره، قرار اتخذه القاضي بهدم حياته الأسرية وكأنه يفرق بين مخلوقين بلا إحساس أو مشاعر.

القول بأن سبب إصرار القاضي على تطليقهما هو الغش والتضليل والتدليس في المعلومات التي قدمها الزوج عن نفسه وليس تكافؤ النسب، أو أنه درء لمفسدة أكبر بإلغاء مصلحة أصغر، هو قول يستخف بعقول الناس وأفهامهم لأنه التفاف فاضح ومكشوف على الحقيقة المؤلمة بأن فكر البعض لدينا ما زال قابعا في أقبية العصور الغابرة. إن تطوير القضاء لا يتحقق بتسريع المواعيد وإدخال التقنية الحديثة واستحداث بعض الإجراءات فقط، وإنما الأهم هو تحديث الفكر الذي يدير القضاء، فمن سوف يصدق الآن في العالم أن مثل هذه القصة حدثت في مجتمع يدعي حمايته لحقوق الإنسان التي كفلتها الشريعة الإسلامية التي ينافح عنها ويعتقد أنه خير من يطبقها بين خلق الله أجمعين.

habutalib@hotmail.com