من النادر جدا ألا تكون مناظرات المرشحين الرئيسيين للرئاسة الأمريكية محط أنظار كل العالم، المتفقين والمختلفين مع أمريكا، حلفائها وخصومها، الواقفين معها على خطوط سياساتها الخارجية، والمواجهين لها على الخطوط المضادة، فالعادة أن ينصرف العالم عن أي شأن آخر في مثل هذا التوقيت الذي تقترب فيه ساعة الصفر لتحديد القادم الجديد إلى البيت الأبيض.

هذه المرة يسجل تاريخ الانتخابات الأمريكية واحدة من أبهت وأبرد تجاربه إلى هذه اللحظة، وذلك ما أكدته استطلاعات الرأي عن متابعة المناظرة الثانية بين هيلاري كلينتون ودونالد ترمب التي جرت مساء الأحد في سانت لويس بولاية ميزوري، والتي أكدت نسبة اهتمام ومتابعة متدنية خارج الولايات المتحدة، بل وحتى داخلها، فما الذي جعل هذه الانتخابات تبدو بهذه الصورة؟ الأسباب كثيرة، تتعلق بالدور الأمريكي في السياسات الخارجية والقضايا العالمية وتآكل أهمية وصدقية وموثوقية أمريكا في مرحلة من أخطر مراحل تأريخ العالم.

أمريكا لم تعد ذلك الكائن الأسطوري الذي يستطيع بسط جناحيه على العالم متى وكيف يشاء، فالأحداث التي توالت خلال السنوات الأخيرة وخصوصا منذ عام ٢٠١١ أثبتت أن أمريكا كائن ضخمته عدسات هوليوود ذات الأبعاد الثلاثية، لكن الواقع أزال تلك العدسات لتبرز كثير من هشاشة هذا الكيان، وذلك ما أفرز النموذجين اللذين يتصارعان الآن على الرئاسة، فلا أحد منهما يليق بالتاريخ العريق للانتخابات الأمريكية والنماذج التي دخلت هذا المعترك منذ إنشاء الولايات المتحدة الأمريكية.

وعندما وجه أحد حضور المناظرة سؤاله للمرشحين قائلا: لماذا لا تحترمان بعضكما؟، فإنه كان يشير إلى جانب مهم افتقده السباق الرئاسي هذه المرة، هو الاحترام.

الاحترام للذات، وللناخب الأمريكي، وللعالم الذي يتابع سماجة وتفاهة الطرح حتى من طرف له خبرة في الدولة والسياسة الأمريكية كهيلاري كلينتون.

الفضائح وحدها هي التي حضرت بقوة في المناظرة، وضحالة الفكر إلى جانبها، وإذا كان ذلك هو الإطار الذي سيدفع بواحد منهما إلى البيت الأبيض، فالعالم لا بد أن ينتظر أياما سوداء في المرحلة القادمة.