كان باعة زيت السمسم يستخدمون بعيراً معصوب العينين لإدارة الرحى التي تطحن بذور السمسم فتستخلص منها الزيت، وكان البعير الذي يدور حول دائرة لا يتعدى قطرها مترين يظن أنه قطع في كل مرة مسافات شاسعة، ولو أنه كان ذا عقل لعلم أنه يدور منذ سنين حول المعصرة ورحاها، ثم لا ينوبه بعد ذلك من الغنيمة سوى «الطخَّ» وهو ما يتبقى من قشر السمسم بعد عَصْره واستخلاص الزيت منه فيعطى شيء من الطخ والباقي يباع على مربي الحمير لأنه يقوي العظام حسب قول باعة الزيوت النباتية.

وقد مضى جمل المعصرة إلى حيث مضى بعد أن حلت الآلة الحديثة المستخدمة في العصر محله، ولكن الذي أصبح مثل جمل المعصرة هو ذلك الإنسان الذي يجد نفسه يصحو في الصباح الباكر وفي عقله عدة أشغال يجب عليه إنهاؤها ومطالب لا بد من تسويتها ومواعيد ينبغي التجاوب معها، فيدخل مبكراً في المعمعة ويستمر في دورانه وراء أشغاله ومواعيده ومطالبه حتى المساء ليعود إلى بيته منهكاً غضبان أسفاً لأن النهار ولى والساعات انقضت والدوام الرسمي انتهى دون أن ينهي ما خرج من أجله من حاجات فيعقد العزم على أن يواصل دورانه في اليوم التالي ولكن الأشغال الشاقة لا تنتهى وإن انتهى منها شيء يسير برز أمامه ما هو أكبر منها، وهكذا يظل يدور حول نفسه وأشغاله مثل جمل المعصرة، ليجد أنه لم يقطع في رحلاته المسافة التي كان يظن أن باستطاعته قطعها وربما زحفت عليه سنوات العمر وهو سادر في ركضه ودورانه الدؤوب، دون شعور حقيقي منه بأنه استطاع إنجاز ما كان يحلم بإنجازه، بل إن بعض الناس يدورون مثل جمل المعصرة وهم لا يعرفون سبب دورانهم المجهد وهل ثمراته تستحق كل هذا العناء أم أنه لن يكون لهم في نهاية الأمر سوى الطخ مقابل ما قدموه من جهد وما سفحوه من عمر، ومثل هذه النتيجة قد لا يدركها جمل المعصرة إلا بعد فوات الأوان لاسيما عندما يصل إلى مرحلة القعود فينادي على من حوله قائلاً: يا ولد طفي اللمبة!؟