قبل أسبوعين ظهرت اتهامات أمريكية للفراولة المصرية بتلوثها بفيروس التهاب الكبد الوبائي، وتمدد هذا الاتهام ليشمل بقية الفواكه والخضراوات المصرية، هذا الاتهام تعاملت معه الأجهزة الحكومية المصرية من ناحية ضرره على الاقتصاد المصري وعلى تصدير المنتجات الزراعية والغذائية المصرية وبلغ الحماس ببعض الأصوات إلى حد التعامل مع هذا الأمر وكأنه مؤامرة أمريكية ضد اقتصاد مصر لم يكن ثمة مجال للتفكير في جدية وإمكانية أن يشكل هذا الاتهام المزعوم خطرا على حياة ملايين المصريين الذين ترتفع بينهم الإصابات بالتهاب الكبد الوبائي، فالوطنية هنا تقتضي الانتصار للاقتصاد لا الانتصار لصحة الإنسان.

وقد تسابقت الدول الخليجية وفي مقدمتها السعودية من خلال هيئاتها المختصة بفحص سلامة الأغذية إلى نفي هذه التهمة الأمريكية المشبوهة والوقوف صفا واحدا مع خضراوات مصر وفراولة مصر وطماطم مصر.. وتحيا الأمة العربية!

هذا التضامن الخليجي السريع أشعرني وكأن في الأمر مجاملة عروبية على حساب صحة المستهلكين في السعودية ودول الخليج، بدأت أبحث عن الأخبار المتعلقة بهذا الأمر في شبكة الإنترنت فوجدت برنامجا تلفزيونيا عرض في إحدى الفضائيات المصرية يتحدث فيه فلاحون وفلاحات عن اضطرارهم لري المزروعات بمياه المجاري ويؤكدون للمذيع أن كل ذلك يتم بعلم الأجهزة الحكومية المعنية!، وهنا شاغلني سؤال: ترى أيهما يحب مصر أكثر ذاك الذي يفكر في مصالح المصدرين المصريين الاقتصادية أم ذاك الذي يفكر في الخطر الصحي المحدق بملايين المصريين الذين لا خيار أمامهم سوى تناول هذه الخضراوات والفواكه؟!.

ولأن حسابات السياسة اليوم لا تختلف كثيرا عن حسابات سوق الخضراوات يمكننا القول إن مشاعر الامتعاض الخليجية من تصويت مصر لصالح مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن غير مبررة، وهي مشاعر تغلبها العاطفة (تماما مثلما غلبتها العاطفة في قضية الخضراوات ولكن في الاتجاه المعاكس)، فمصر لم تصوت ضدنا بل صوتت ضد الضمير الشعبي المصري الذي يستحيل أن يقبل بما تفعله روسيا وبشار الأسد ومليشيات إيران في حلب، وعلينا أن نتذكر بأن مصر في اليوم ذاته صوتت لصالح مشروع القرار الفرنسي الذي يقف على الطرف النقيض من القرار الروسي!.. ما يعني أنها مع الطرفين وضد الطرفين في الوقت ذاته، وأن قرارها السياسي ينازع نفسه!.. هكذا هو واقع مصر اليوم: الفراولة والفيروس جنبا إلى جنب.. ومصالح مصدري الخضراوات قد تضر.