يشير الأستاذ الدكتور يحيى بن جنيد في كتابه النفيس (المجتمع العربي من سيادة العلم إلى وحل الخرافة) إلى نقطة بالغة الأهمية حول طبيعة خطاب الكراهية والبغضاء ضد غير المسلمين الذي بدأ يتنامى ويعلو صوته أخيرا في الخطابات الإسلامية الحديثة، مؤكدا أن هذه النزعة هي نزعة طارئة، لا تعبر حقاً عن روح وأصالة التراث الإسلامي، بل هي من علامات السقوط والتراجع، ونتيجة لمسار التقهقر الذي أصاب المجتمع العربي منذ قرون، فقد كان من أبرز ملامح نهضة العرب إبان مرحلة الحضارة الأولى (الاعتراف بالاختلاف، واحترام الإنسان)، حيث «أتيح المجال لغير العرب والمسلمين لكي يشاركوا في مجالات التنمية والبناء، وكانت لهم اليد الطولى في المجال العلمي على وجه الخصوص، فبرز منهم أعلام حضوا بتقدير كبير في القرنين الثاني والثالث الهجريين، منهم يحيى بن البطريق، ويوحنا بن ماسويه، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرة الحراني الصابئ، وأسرة جبرائيل المسيحية المقربة من الخلفاء، التي كان لها دور كبير في الطب والتأليف ونقل العلوم.. وغيرهم». ربما تكون هذه الروايات والأخبار من الأحاديث المتواترة والمنتشرة التي ترد دائما في معرض ذكر فضائل الحضارة الإسلامية، لكن الحركات الأصولية التي تقدم نفسها اليوم كامتداد لهذا التراث، ساهمت بشكل كبير في عرقلة التواصل الحضاري مع التراث العربي، وأصبحت الحقب المتشددة، والممارسات المتأخرة هي المرجعية التي تقود منطق الفعل الإسلامي، فاصطبغت هذه الصورة الجزئية المختزلة على تراث عريض متنوع متعدد طويل، الأمر الذي حدا بالبعض إلى أن يتنصل من تاريخه وتراثه بحجة أنه أصبح سببا للعنف والتطرف، وموردا لتغذية الإرهاب، في استسلام كسول للاختطاف الأصولي للتراث الإسلامي، وخمول عن معرفة حقيقة التنوع في التاريخ العربي الذي كان يحوي بين طياته ممارسات حضارية مستنيرة، حين خبت وتراجعت ازدهر خطاب الكراهية والتخلف والتشدد. يأخذك العجب حين تقرأ عن سيرة التسامح، والتعددية الدينية والاجتماعية والثقافية التي ميزت العهد الأموي، وبواكير العهد العباسي، في صورة فريدة من التعايش ربما لا نجدها قائمة اليوم حتى في أكثر الدول العربية التي ترفع شعار الحداثة والتقدمية والتحرر.

تأمل كيف يصف موفق الدين ابن عباس (ابن أبي أصيبعة) في كتابه (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) وهو يتحدث عن العلماء المسيحيين واليهود الذين عاشوا ونبغوا داخل المجتمع الإسلامي المبكر، بلغة خالية تماماً من الشحن العدائي أو الارتيابي من غير المسلمين. فها هو يعرف بالطبيب السرياني أبو الفرج اليبرودي، فيقول: «أبو الفرج جورجس بن يوحنا بن سهل بن إبراهيم (ت 427هـ) نسبة إلى يبرود من قضاء النبك بدمشق، من النصارى اليعاقبة، كان فاضلاً في صناعة الطب، عالماً بأصولها وفروعها، معدوداً من جملة الأكابر من أهلها والمتمرنين من أربابها، دائم الاشتغال، محباً للعلم، مؤثراً للفضيلة». أما اليهودي أبو عمران موسى بن ميمون بن عبيدالله القرطبي (ت601هـ) فيصفه بأنه «من أحبار اليهود وفضلائهم، كان رئيساً عليهم في الديار المصرية، وهو أوحد زمانه في صناعة الطب، وفي أعمالها، متفنن في العلوم، له معرفة جيدة بالفلسفة، وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي يرى له ويستطبه، وكذلك ولده الملك الأفضل علي». ويقول عن اليهودي البيان بن المدور الملقب بالسديد (ت580هـ): «كان يهودياً، قراءً، عالماً بصناعة الطب، حسن المعرفة بأعمالها، له مجريات كثيرة، وآثار محمودة». ويصف الرئيس هبة الله (ت580ه): «كان إسرائيلياً فاضلاً، مشهوراً بالطب، جيد الأعمال حسن المعالجة». وعلى ذكر الأطباء والعلماء غير المسلمين الذين عاشوا وتركوا أثراً في الحضارة الإسلامية، تروي كتب التاريخ العربي، كتاريخ الطبري، وتاريخ الزمان لابن العبري قصة طريفة حصلت بين الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور والطبيب النصراني جورجيس بن جبرائيل من بني بختيشوع، الذين اشتهروا فيما بعد وأصبح لهم أثر بالغ في دار الخلافة العباسية.

تقول المصادر إنه في عام 148هـ مرض المنصور وفسدت معدته، وعجز أطباء المدينة عن شفائه، فذكروا له اسم أحد معلمي مدرسة جنديسابور الشهيرة، ومدير بيمارستان، طبيب نسطوري (نسبة للنسطورية، من الاتجاهات المسيحية الشرقية) اسمه جورجس بن جبرائيل. فأرسل الخليفة في طلبه، فامتثل الطبيب لأمره، وحزم أمتعته للرحيل إليه.

كان أول لقاء بين الطبيب ومريضه الكبير ناجحا، وقف جورجيس أمام الخليفة ومدحه بخطبة بليغة بالعربية والفارسية، فاستحق رضا الخليفة، وإنعامه. باشر الطبيب عمله، كان العلاج يستلزم وقتا طويلا، لكن الأمل في الشفاء يبدو وعداً.

استقر الطبيب في بغداد لرعاية حال الخليفة، غير أن أمراً مزعجا بدأ يشوب إقامته، إذ لم يقدم له الخمر مع أول وجبة طعام جلبت له، ولما طالب الخدم بذلك، قيل له بامتعاض: «إن الشراب لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين»، فأجاب الطبيب: «وأنا لا آكل طعاما ليس معه شراب». لكن مع مرور الوقت تيقن الطبيب ألا سبيل إلى نيل مراده، فتجمل بالصبر وارتضى بالشرب من ماء دجلة، وكذلك كان شأنه في العشاء، ويبدو أنه اقتنع في اليوم التالي بمشروبه الجديد، فأصبح يسلي نفسه يقول: «ما كنت أحسب أن شيئاً يجزي من الشراب، فهذا ماء دجلة يجزي ويوفي».

لكن بعد أيام على وصوله لاحظ الخليفة أن سحنة الطبيب قد تغيرت، فارتاب من الأمر، وسأل وزيره: «لا تكن قد منعته مما يشربه على عادته؟» فأجابه الوزير أن نعم. فتضايق الخليفة وأمر أن يجلب للطبيب من أجود خمور مدينة قطربل. (قطربل اسم ساساني قديم كان يطلق على منطقة الكاظمية الآن في بغداد). ازداد إعجاب الخليفة بالطبيب جورجيس، وأصبح محظيا مقربا من البلاط، ولما حلت ذكرى عيد ميلاد المسيح من سنة 151هـ/‏768م بعث الخليفة إلى جورجيس هدية قدرها ثلاثة آلاف دينار، مع ثلاث جوار روميات، لكن جورجيس رد الجواري وقال للخليفة: «هؤلاء لا يكونون معي في بيت واحد، لأننا معشر النصارى لا نتزوج بأكثر من امرأة واحدة، وما دامت المرأة في الحياة لا نأخذ غيرها»، فأكبر الخليفة منه هذا الموقف وأمر في وقته أن يدخل جورجيس على حظاياه وحرمه فيخدمهن.

في تلك الحقبة ازدهر حضور طائفة النساطرة في بغداد، وبفضل وجود ممثلهم في بلاط السلطان بدأ ترميم الكنائس وإصلاحها. كانت تلك علامة تدل على تحسن علاقة الطائفة المسيحية بالسلطة في دار الإسلام (انظر كتاب: أحوال النصارى في خلافة بني العباس لجان موريس فييه). وبنيت أيضا كنيسة جديدة للنسطوريين بمدينة تكريت، في استثناء واضح للقانون الفقهي المعمول به حينها الذي ينص على منع بناء كنائس جديدة، وإنما الإبقاء على القائم منها فقط قبل الفتح الإسلامي.

تمضي الأيام ويقرر الطبيب جورجيس العودة إلى بلاده، وحين مثل بين يدي الخليفة ليستأذنه في الرحيل، دعاه الخليفة إلى الإسلام، قائلا: «أسلم وأنا أضمن لك الجنة»، لكن الطبيب تجرأ بالرد عليه قائلا: «رضيت حيث آبائي في الجنة كانوا أو في النار». هذا الرفض لم يغضب الخليفة، بل تقبله بصدر رحب، وأمر بهدية وداع للطبيب بلغت عشرة آلاف دينار.

وقبل أن يغادر جورجيس بغداد أوصى بعيسى بن شهلوفا بديلا عنه، الذي كان شماسا نسطوريا هو الآخر.

ولعل للحديث بقية...