عقب أحداث 11 سبتمبر المشؤومة عام 2001م، تفجر سؤال في أمريكا: لماذا يكرهوننا؟ وشاع السؤال واتسع في الإعلام الأمريكي وبحثت أمريكا الرسمية بكافة أجهزتها الأمنية والاستخباراتية طويلا وكثيرا عن أدلة، وكان جواب إدارة الرئيس السابق بوش الابن، بضرب معاقل ومغارات تنظيم القاعدة الإرهابي في أفغانستان، لكن لم يسأل المفكرون الأمريكيون والإعلام هناك وإلى اليوم: كيف نفذ الإرهابيون هجمات 11 سبتمبر، وكانوا داخل الولايات المتحدة تحت سمع وبصر أجهزتها؟ الكارثة على مأساويتها تحولت إلى مزاد لسياسيين ووسائل إعلام كبرى تعكس توجهات لوبي ضخم إلى اليوم، ولم يفتح أحدهم (من قبيل الديموقراطية) ملفات حروب أمريكا منذ قنبلتي هيروشيما وناجازاكي الذريتين في اليابان، مرورا بفيتنام ثم العراق.

مع أن القانون الأخير لم يشر إلى دولة بعينها، ولم تثبت أدنى أدلة ضد دول بعينها، لكنه يستهدف المملكة التي كانت ولا تزال الأكثر تعرضا للإرهاب الغادر قبل أن ينال من أمريكا، وهي أيضا الأكثر نجاحا في مواجهته وتعاونا في محاربته إقليميا ودوليا.

لذا جاءت طبخة قانون (جاستا) في الكونغرس بغرفتيه الشيوخ والنواب وبهذا العدد من التصويت عليه، وكأنه تخريجة لمزاد قديم حاولوا فيه مرارا خلال أعوام متفرقة، وجميعها باءت بالفشل وفسدت الطبخة، بعدما ثبت كذب محاولات تشويه صورة المملكة، ومع ذلك لم ينصت مشرعو القانون المذكور إلى رأي الإدارة الأمريكية وشهادة المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية وخبراء قانونيين، يدركون خطورة ذلك القانون على الولايات المتحدة لسجلها الضخم في ضحايا حروب وعمليات عسكرية في العالم تخضع مسؤوليها وقادة عسكريين للمقاضاة، لذلك جعل المشرعون في الكونغرس قانون (جاستا) فوق المبادئ والقوانين الدولية بما ينقض سيادة وحصانة الدول في الوقت الذي يرون فيه كل الحصانة ضد مقاضاة أمريكا في جرائم تدينها بالتوازي مع حمايتها للاحتلال الإسرائيلي من محاكمته دوليا على جرائم الحرب والإبادة مستمرة لأكثر من 60 عاما ولا تزال.

الواضح أن المملكة مستهدفة من هذا القانون ومن حملات إعلامية ذات أيديولوجية معادية، ولا ننسى تحول الاهتمام الأمريكي نحو آسيا لمواجهة القطب الصيني، ومنه نفهم تمرير الاتفاق النووي مع إيران رغم أن طهران ظلت على لوائح الإرهاب الأمريكية، فأية رسالة يرسلها هذا (القانون التفصيل) غير أنه تقنين للابتزاز، يستهدف في نهايته تسويات (تعويضات) بكل ما فيها من خطر قانوني ومعنوي قبل المادي.

لكن ماذا يضير المملكة وهذا الاستقواء يفتقد الأدلة والأسانيد القانونية والمنطقية، غير أنه يفتح بابا للضغوط في ظل التحول التدريجي عن المنطقة وما يحدث فيها.

المؤكد أن أزمة قانون (جاستا) أحدثت شرخا سيبدو معضلة أمام الإدارة الأمريكية القادمة، وواشنطن تدرك أكثر من غيرها أن المملكة ليست من السهولة الإضرار بها أو أي محاولة ابتزاز مكشوفة تجيدها دوائر داخل الولايات المتحدة.

لذلك من المتوقع أن يخضع القانون إلى مراجعات إذا ما تعاظمت مصالح أمريكا مقارنة بطبخة تشريعية ستضر بمصالحها قبل سمعتها التي لا تهمها كثيرا.

علاقات المملكة بالولايات المتحدة قديمة وقوية ومستقبلية، والمصالح كبيرة ومتشابكة، وليس من السهل الزج بها إلى منزلقات يصعب علاجها حتى وإن حدث شرخ بتلك الحملات، فالمملكة دولة كبيرة ومؤثرة على كافة الأصعدة، وتدرك كيف تتحرك سياسيا وقانونيا، وما أكثر ما واجهته من تحديات وهي على رسوخها بإذن الله.