لعل أبرز المصطلحات التي لن ينساها السعوديون والتي رافقت إعلان الرؤية السعودية ٢٠٣٠ وبرامج وخطط التحول الوطني هو مصطلح: جودة الحياة.

هذا توصيف جديد على الشارع السعودي لكنه حاضر كمطلب وكاحتياج وغيابه عن الحياة السعودية أدى إلى تفاقمات اجتماعية واقتصادية واسعة.

ذلك الواقع جعل للسعوديين تعريفهم الخاص لجودة الحياة، أصبحت تعني منزلا واسعا وخيمة في فناء المنزل واستراحة خارج المدينة وسفرا ضروريا كل صيف.

هذا التوصيف استهلاكي للغاية وهي نتيجة لذلك التعريف المشوه للحياة الجيدة والممتعة.

الجانب الأهم أن البيت الواسع وبيت الشعر الذي في الفناء والسيارة الكبيرة والسفر السنوي كل هذه أمور تحتاج إلى مزيد من المال، بل إلى مال كثير يصبح معه السعودي، الذي يراوح دخله الشهري بين الخمسة عشر والعشرين ألف ريال، عاجزا عن تحقيق تلك المتطلبات، وبالتالي يصبح ضمن الطبقة التي تفتقر لتوفير عوامل جودة الحياة بالمفهوم المحلي طبعا.

ليس من المبالغة القول إن هذا الواقع قد يمثل أحد أسباب الفساد الذي استشرى في بعض القطاعات قبل أن تتحرك الدولة لمواجهته، ولأن المتطلبات التي يحتاج إليها الفرد السعودي والعائلة السعودية تتجاوز متطلبات غيره في كثير من بلدان العالم يصبح البحث عن المال هدفا محوريا وشديد الإلحاح مما قد يضطر من لديه فرصة للفساد أن يبادر لاستغلالها.

يسخر كثيرون من وزارة الإسكان مثلا حين كانت تتحدث عن الشقق السكنية كإحدى وسائل الحلول وتوفير المسكن، ويعلق كثيرون بأن الحياة في شقة ستجعلك تنتمي إلى طبقة اجتماعية دنيا، ثم ماذا تصنع في شقة وأين تستقبل ضيوفك وتقيم الولائم؟ وهذه الصورة ليست إلا دليلا على تعريف غير سوي للحياة ولجودتها والاستمتاع بها.

هنا يصبح الاندهاش بمصطلح (جودة الحياة) مهما وفي محله؛ لأن هذا من شأنه أن يصنع واقعا جديدا وتعريفا جديدا للحياة وبالتالي لمستلزماتها وطريقة العيش.

جودة الحياة تجعل من القليل الذي ينفقه المواطن قادرا على توفير مستويات ممتعة من المعيشة، فالاستمتاع بالحياة ليس مرحلة تبدأ بعد توفير الضروريات الأساسية، لكنه يبدأ أصلا مع تلك الأساسيات، كيف تستمتع بمنزلك وسيارتك، وكيف تقضي مع عائلتك وأصدقائك عطلة نهاية الأسبوع وكيف تجد من الخيارات الترفيهية ما يمكن أن تحصل عليه في مدينتك وبتكاليف أقل.

إن جودة الحياة ترتبط أيضا بتوفير الخيارات العامة التي تغني الأفراد عن التفكير في توفيرها بشكل خاص، فمثلا يريد السعودي أن تكون لديه حديقة في منزله، في الواقع لو أن حديقة عامة حقيقية وذات جودة عالية وبها ترفيه حقيقي وحر وبعيد عن التعقيدات فلن يحتاج غير القادر إلى إرهاق نفسه للحصول على حديقة في منزله، وقس على ذلك أنظمة السينما المنزلية التي باتت تملأ بيوت كثير من السعوديين؛ لأنه ببساطة حين غابت السينما كخيار عام اتجه ليحصل عليها كخيار خاص وليس الجميع قادرا على ذلك بالطبع.

أخيرا اضطرت الحكومة ونحن معها للقيام ببعض الإجراءات التي تهدف إلى مزيد من الترشيد في النفقات ووقف الهدر المالي تمشيا مع الظروف الاقتصادية الحالية، هذا إجراء طبيعي تتخذه كثير من الحكومات لمواجهة مثل تلك الظروف، لكن خطا موازيا يجب أن يرافق تلك الإجراءات ليس من أجل تخفيف آثارها فحسب بل ليمثل تدشينا وتأسيسا لثقافة جديدة حول جودة الحياة والاستمتاع بها؛ لأن قلة الموارد المالية ستؤدي لتراجع الإنفاق على الترفيه -وفق التعريف الخاطئ طبعا- وسنجد أن البعض أصبح يعيش في مرحلة الضروريات فقط مع كثير من التسخط والتذمر، علما أن واقع الدخل الحالي للسعوديين يعتبر مرتفعا قياسا على بلدان عدة تتشابه معهم في الظروف الاقتصادية والسكانية.

وبالتالي يكمن الحل في أن تتولى الدولة إدارة وتعريف مفهوم (جودة الحياة) وبناء واقع حياتي يقوم على توفير كل الخيارات والكثير منها يمكن توفيره بسهولة بالغة بينما بعضها قائم أصلا ولا يحتاج سوى لتنظيمات وقوانين جديدة.

إن مزيدا من الانفتاح الواعي ليس مجرد وسيلة يمكن أن تخفف الآثار الاجتماعية لإجراءات الترشيد المالي، ولكنه سيبني نمطا معيشيا جديدا ممتعا، يخفف هذا الاحتياج النهم للمال وهذا الاستهلاك المفرط في كل شيء، ويجعل حياتك وأجمل ذكرياتك في وطنك.