أدلى الكولومبيون يوم الأحد الماضي بأصواتهم في استفتاء حول اتفاق السلام الذي توصلت إليه الحكومة مع المتمردين بعد ٤ سنوات من المفاوضات.

كان موضوع الاستفتاء: هل تدعم الاتفاق النهائي لوضع حد للنزاع وبناء سلام دائم وثابت؟.

كانت النتيجة مفاجئة للجميع فصار السـؤال: لماذا يرفض المواطنون اتفاق سلام ينهي خمسة عقود من الحرب الأهلية؟ اقتربت حركة المتمردين FARC من الأعمال التجارية في تهريب المخدرات وصار من الصعب التمييز بين عمل حركة التمرد الأصلية وبين العصابات الإجرامية وتجار المخدرات الذين استغلوا حالة الاضطراب الأمني داخل البلاد لتوسيع نشاطاتهم.

من الجانب الآخر فإن التعامل الحكومي مع الحرب كان غاية في القسوة، فساهم الطرفان في اتساع الشروخ الاجتماعية وزادت الانقسامات المرتبطة بالانتماء الجغرافي والطبقي.

استخدم الطرفان في صراعهما الدامي الطويل كافة الوسائل من اغتيالات وتشكيل فرق للموت في محاولة يائسة وباهظة الكلفة الإنسانية لكسب الحرب.

لم يتمكن المتحاربون من تحقيق انتصار حاسم، واقتربت كولومبيا من حافة البلدان الفاشلة، وذهب أكثر من ربع مليون قتيل ضحية للحرب، ونزح داخليا ما يقارب الثمانية ملايين مواطن، ولم ينجُ إلا قلة من المواطنين من آثارها، وسمح ذلك بتدخل خارجي شاركت فيه الولايات المتحدة من جانب وفنزويلا شافيز من جانب آخر، وأدى ذلك إلى اتساع مساحات العنف لكنه لم يحل المشكلة.

خلال الحرب استخدم المتمردون الأطفال كمسلحين يقاتلون في صفوفها، بينما قامت الحكومة بالتعامل مع مجاميع مسلحة غير تابعة لها تحول قادتها إلى تجار حروب لم تعد تملك سيطرة عليهم فتقلص دورها الوطني.

أتاحت كوبا للأطراف المتحاربة موقعا محايدا للتفاوض شاركت فيه الأمم المتحدة وعدد من الدول الأوروبية خصوصا النرويج، وشكل الاتفاق اختراقا دوليا مهما، إذ كان مؤشرا لإمكانية حل النزاعات المسلحة المزمنة عبر التفاوض المباشر والمساهمة الإيجابية من المجتمع الدولي ودول الجوار.

كان الطرفان راغبين في التوصل إلى نهاية إيجابية، لكن المواطنين كان لهم رأي مختلف.

صحيح أن نسبة المعترضين كانت أقل من ربع في المئة ولكن الجميع أدرك أن المجتمع لم يتجاوز مآسي الحرب وضحاياها.

كانت النتيجة غير متوقعة لأن استطلاعات الرأي التي سبقت الاستفتاء كانت تؤكد أن «اتفاق كارتاخينا» سينال الأغلبية الساحقة من الأصوات.

رغم ذلك فإن الطرفين -الحكومي والمتمردين- أعلنا أنهما لن يحتكما إلى السلاح، وأن وقف إطلاق النار سيظل ساري المفعول، وقررت الحكومة إرسال مفاوضيها إلى هافانا لإعادة التفاوض حول النقاط التي أثارت حفيظة تلك النسبة الصغيرة من المواطنين.

كان من ضمن نصوص الاتفاق إصدار عفو عام عن المقاتلين، وتشكيل محاكم خاصة تنظر في جرائم الحرب على أن تصدر أحكاما قصيرة تشمل سنوات من الخدمة الاجتماعية كنزع الألغام التي زرعتها حركة التمرد.

اختلف المواطنون حول مسألة تسليم السلاح، فطالب المعترضون أن يتم قبل الموافقة الشعبية على الاتفاق، بينما كان للموافقين رأي يقول إن الحرب لا يجب أن تستمر وإن البلاد لا خيار لها إلا وقفها.

المعترضون -رغم بساطة أغلبيتهم- لم يقفوا ضد السلام ولكنهم يرغبون في اتفاق أشد قسوة على المتمردين ومحاكمتهم على الجرائم التي يقولون إنهم ارتكبوها خلال الصراع.

درس كولومبيا يجب متابعته عن قرب، فنيران الحروب تشتعل في أقطار عربية كثيرة، وربما استطاع العرب -لمرة- الاستفادة من دروس غيرهم.

مآسي الحروب هي في عمق الجراح التي تخلفها فتحتاج إلى أجيال كثيرة لتجاوزها، وإطالة مداها لن ينتج عنه منتصر بل خاسرون.