احتدم الصراع في سورية الشقيقة، ولم يعد صراعا داخليا مذهبيا – كما روج له البعض - بل كشف عن وجهه القبيح، فهو صراع مصالح عالمية، تديره دول كبرى تسعى لبسط هيمنتها على هذا البلد الشقيق، ليحقق للغرب أهدافه من زعزعة استقرار دول الشرق الأوسط، وما يتمخض عنه من توجيه موارد هذه الدول للدفاع عن كياناتها، وهو ما ينعش اقتصادات الغرب، أضف إلى ذلك الهدف الأسمى للغرب، المتمثل في تحقيق الأمن لإسرائيل، بإضعاف دول الجوار من جانب، وإشغالهم بمشاكلهم من جانب آخر.

نعم وجدت القوى الاستعمارية الغربية ضالتها في قطاعات من الشعب السوري، فلروسيا أتباعها وخدامها، ولأمريكا – كذلك - من يعمل - بوعي أو بغير وعي – على تحقيق أهدافها ومصالحها.

لقد قتل مئات الآلاف من الأبرياء من الشعب السوري الشقيق، ممن لا حول لهم ولا قوة، وشرد الملايين منهم في ربوع العالم: شرقه وغربه، وما زالت طائرات النظام السوري وسادته من الروس، تواصل قصفها للمدنيين في حلب وريف دمشق وغيرها، كما لم يسلم قطاع آخر من الشعب المغلوب على أمره من قصف ما يسمى بقوات المعارضة المدعومة من الغرب، ناهيك عمّن يصطاد في الماء العكر من جماعات إرهابية مثل داعش وجبهة النصرة وغيرها.

الذين «يقبضون» من هنا وهناك، والذين سيكون لهم نصيب من كعكة السلطة بعد أمد قد يطول وقد يقصر، هم المقاتلون من الطرفين، وبالطبع لن يستمر القتال إلى ما لا نهاية، فبعد أن تحقق الأطراف جميعها – وهي كالدمى المتحركة – أغراض «السادة» وأهدافهم، سيجلس الجميع - طوعا أو كرها - لاقتسام السلطة والمال، وسيبقى الشعب السوري فقط، هو الخاسر في هذه اللعبة القذرة.

المئات الذين يسقطون يوميا من المدنيين: نساءً ورجالاً وأطفالا، لن يكون لهم أي نصيب من السلطة، فهم الذين دفعوا الثمن غاليا من الأرواح والدماء، ولن يكون لذويهم – كذلك - أي نصيب.

سينسى المتقاتلون والمتصارعون كل خلافاتهم أمام «غنائم الحرب» التي أنعم بها السادة في موسكو والغرب على أتباعهم، وسنراهم - إن قدر الله تعالى لنا الحياة - وهم يجلسون على طاولة واحدة يحتسون نخب الانتصار، وسيصور كل فريق نفسه على أنه المنتصر والفائز في هذا الصراع.

الذين لن يظهروا على الساحة، ولن ينعموا بالعطايا، هم عامة الشعب السوري الشقيق، الذي لا يمكن أن ينسى ما تعرض له من جراء صراع الكبار، لا أظن أن من مات أبوه في قصف جوي أو من ترملت أو فقدت فلذات أكبادها نتيجة ما استخدمه المتقاتلون من أسلحة محرمة وغير محرمة، ما أظن أن هؤلاء - وهم الشعب – سينسون هذا كله.

عندما يتصالح الأتباع والأذناب، ويبدأ الشعب السوري الشقيق في إحصاء قتلاه، وعدّ خسائره، سيدرك حجم الكارثة، وعندما تتوه آلاف الأسر السورية المشردة شرقا وغربا، حتما سيذكرون الماضي، وسيتذكر الجميع هول ما حدث، وسيكون لهم شأن آخر، مع من باعوا الوطن وهدموه، مع من قتلوا مئات الآلاف، وشردوا الملايين.

ذاكرة الشعوب ليست «ذاكرة سمكية» تنسى سريعا، لكنها تختزن في أعماقها الأحداث، حيث يتم استدعاؤها في الوقت المناسب، لتقول الشعوب كلمتها، وعندها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.