تناولنا في المقال السابق بعض خفايا صناعة الدواء العالمية التي أعادت صياغة مفهومنا عن الصحة, المرض, وعن دواعي وصف الدواء وكيف حقق لها ذلك قفزة نوعية وكمية في حجم المبيعات عبر استراتيجيات تسويقية تستخدم فيها الأطباء والمشرعين والهيئات العلمية لصياغة ثقافة للإفراط في وصف الدواء، وتوقفنا عند الآثار الخطيرة لهذا الواقع الطبي المختل حسبما أوردها راي موينهان من مجلة (نيو انجليند) الطبية العريقة في كتابه (بيع المرض، كيف تحولنا شركات الأدوية الكبرى لمرضى)، والدكتورة (ماريكا أنجيل) من كلية هارفرد للطب ومحررة المجلة في كتابها (الحقيقة عن شركات الدواء، كيف يخدعوننا وماذا نفعل) والأخيرة أجملت تلك الآثار في ثلاث نقاط :
* الكثير من الناس يعطون أدوية ليسوا بحاجة إليها، فأمريكا التي تمثل 5% من سكان العالم تستهلك 50% من الدواء المنتج عالميا فالأمريكيون ينفقون 230 مليار سنويا على الأدوية وهذا لا يشمل الأدوية التي تصرف في المستشفيات والمراكز الصحية وهذا يعني أن جهود شركات الدواء تتحول من البحث عن أدوية للأمراض الجدية خاصة الشائعة في العالم الثالث إلى البحث عن الأدوية التي توصف للاضطرابات الصحية الشائعة لتحقق أكبر قدر من المبيعات.
* ثقافة الإفراط في وصف الدواء بدون حاجة حقيقية أرهقت ميزانيات الصحة حتى في الدول الغنية، ففي بريطانيا استوجب الأمر رفع الضرائب وخفض موازنة قطاعات حيوية كالتعليم لتمويل موازنة قطاع الصحة المتضخم.
* ارتفاع أسعار الأدوية بشكل غير مبرر، وليس صحيحا أن تكلفة أبحاث تطويرها هي السبب كما تزعم الشركات، فالأدوية الناجحة يتم فقط استنساخها، بينما المبتكرة غالبا ما تكون نتاج أبحاث تمولها الحكومة في الجامعات والمراكز البحثية الصغيرة، إنما هو الطمع، فالشركات العشر الكبرى للدواء في العالم كلها أمريكية وكانت أرباحها عام 2002 الذي شهد انخفاضا في دخلها (35.9) مليار وهذا الرقم هو أكبر من مجموع أرباح 490 شركة هي الأكثر ربحية عالميا، وهذا جعل المثل القائل «لا ترحم ولا تخلي رحمة ربنا تنزل» ينطبق عليها، فقد خلقت تلك الشركات احتكارا عالميا لسوق الدواء أضعف شركات الأدوية المحلية وجعلها غير قادرة على تمويل أبحاثها لعلاج الأمراض المحلية، في نفس الوقت الذي لا توجه الشركات الكبرى اهتمامها لأمراض العالم الثالث، وقد منعت الشركات الأمريكية حكومات العالم الثالث من توفير أدوية كأدوية الإيدز بأسعار رخيصة لشعوبها لاحتكارها لحقوقها الفكرية، وتُرك الملايين نهبة للعذابات الرهيبة للمرض.
* أدى ارتفاع أسعار الدواء إلى ازدهار تقليد الأدوية لتوفيرها بأسعار مقبولة وكثيرا ما تفتقر الأدوية المقلدة للخواص الطبية العلاجية التي للأصلية.
* للجسم آليات استشفاء طبيعية والإفراط في تناول الأدوية يحدث خللا في تلك الآلية سواء على المدى القريب أو البعيد.
* تعتبر الأضرار الجانبية للأدوية السبب الرابع للوفاة في أمريكا ( 2.2 مليون) أمريكي من الذين أدخلوا المستشفى عام 1994 عانوا من مضاعفات الأدوية غير المناسبة وتوفي 106 آلاف بتلك المضاعفات، وهذا الرقم هو معدل سنوي.
* أدى الإفراط في وصف أدوية كالمضادات الحيوية إلى ظهور سلالات جديدة من البكتريا والجراثيم أكثر فتكا و لا تستجيب للعلاج، وهذا ما فاقم مشكلة «عدوى المستشفيات» التي تقتل سنويا 88 ألف أمريكي.
bushra_sbe@hotmail.com
ص. ب ( 6123 ) مكة