يقول الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على النفس من وقع الحسام المهند
لقد أدرك شاعرنا الجاهلي مغبة الظلم وشدة وقعه على النفس الإنسانية حتى يفوق أثره السيف البتار الذي يقطع الجسد إلى أشلاء. فالنفس المظلومة عنده وبخاصة تلك التي ظلمها الأقارب والأحبة تتقطع وتتمزق، تماماً كالجسد الذي لعب فيه السيف كيفما شاء.
ولن أتكلم هنا عن الظلم وتحريمه في ديننا بأوامر إلهية صريحة ولا عن عاقبة الظالمين وسوء مآلهم ولن أورد الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التى تخوف عباد الله من الظلم، فكلنا نعرف ذلك ونستمع إلى أحاديث علمائنا ومع هذا لا نتعظ، ونتمادى في الظلم ظلم الآخر، والآخر قد يكون الزوجة والأبناء والبنات أو الأقرباء عموماً والأصدقاء خصوصاً أو نفراً من الناس.
أدع الحديث عن الظلم والظلمة في هذا الجانب لأهله من علمائنا ومشايخنا، وأتحدث عنه فقط من جانب تأملي بحت.
فلنتأمل المادة اللغوية ظَلَمَ، ودلالاتها، فنحن نعلم جيداً أن الظلم ظلمات يوم القيامة، فهل ثمة علاقة بين الظلم والظلمات.
فمادة ظَلَمَ تعني : جار، وجاوز الحد، ووضع الشيء في غير موضعه
وفى الحديث : (لزموا الطريق فلم يظلموه).
وظلمات البحر : شدائده.
ليس مصادفة إذن أن يكون الظلم ظلمات 0 فالجور وتجاوز الحد، ووضع الشيء في غير موضعه، وعدم الالتزام بالطريق المستقيم وسماع المرء لما يكره، كلها حالات تخلق أوضاعاً وجدانية يشعر فيها المرء بسواد الدنيا في وجهه.
فعندما لا يجد المظلوم ناصراً، تسود الدنيا في عينيه
وعندما يواجه المظلوم تجاوز الظالم حده معه، تسود الدنيا بأسرها وعندما يسمع المرء ما يكره تضيق نفسه، ويسود العالم أمامه 0 فالعلاقة حميمية بين الظلم، بمعانيه السابقة، والسواد بمعانيه المعنوية القاسية.
ما من أحد منا إلا وظلم إنساناً، وظُلِمَ من إنسان، بل ما من أحد منا إلا وقد ظلم نفسه في أحايين كثيرة.
وقد يظلمني من لا يعرفني، وهذا يحدث كثيراً، وما أشد ما يحدثه هذا الظلم في النفس لكن الطامة الكبرى عندما يتعرض المرء للظلم من قبل المقربين منه : أهله، أصدقاؤه، رؤساؤه، زملاؤه في العمل... إلخ.
وهذا ما عبر عنه شاعرنا في البيت الذى افتتحت به خاطرتي هذه، إذ أدرك فيه طرفة بن العبد وقع الظلم بعامة على النفس البشرية، وظلم ذوي القربى على وجه الخصوص.
والبيت السابق، وقد قيل قبل انبثاق نور الإسلام على الإنسانية، يبين لنا قسوة الظلم على النفس، أيا كانت هذه النفس، ويوضح أيضا كيف جاء هذا الدين الحنيف ليهذب من سلوكيات هذه النفس التي ضمت بين جنباتها الفجور والتقوى، وليرغبها في الاستقامة والطهر « قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها».
فإذا استشعرنا معاني البيت الجاهلي، ووضعنا أمام عيوننا ترهيب الآيات الكريمة للظالمين، وتخويف الرسول الكريم لأمته من هذه الرذيلة وعواقبها، سنفكر كثيراً قبل أن تسوّل لنا أنفسنا ظلم الآخرين.
هؤلاء الذين لهم من القوة والقدرة ما يمكنهم من ظلم الاخرين دون عقاب في الدنيا، عليهم أن يتذكروا قدرة الله تعالى عليهم.
هؤلاء الذين يتلذذون بظلم الناس، بالكلام والأفعال، عليهم أن يتدبروا جيداً تلك العبارة التى تقض المضاجع، وتذكرنا بالمصير القاسي : (الظلم ظلمات يوم القيامة) قد نتغلب على ظلمات الدنيا بالحيل والمكائد، لكن ماذا نفعل يوم القيامة حين يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء؟!
هل ستجدي قوتنا، وينقذنا نفوذنا الدنيوى الزائل من هذه الظلمات 0
لا أظن والله... فليراجع كل ُ منا نفسه، وليراجع كل منا سلوكياته مع الذات ومع الآخر، قبل أن يأخذ الله تعالى الظالم أخذ عزيز مقتدر.
صدقت ياربي حين حذرتنا من الظلم وأبنت لنا عواقبه.
وأحسنت يا شاعرنا الجاهلي حين صورت حالة من حالات الظلم ووقعها على النفس البشرية.
واتقوا الله أيها الظلمة.
Dr_Rsheed@hotmail.com