أصدرت هيئة كبار العلماء بيانا أكدت فيه أن التكفير يترتب عليه أمور خطيرة من استحلال للدم والمال ومنع التوارث وفسخ النكاح وتكفير الحكام والحكومات. وقالت إنه أعظم ضررا لما يترتب عليه من التحريض وحمل السلاح وإشاعة الفوضى وسفك الدماء وسلب الأموال الخاصة والعامة وتفجير المساكن والمركبات وتخريب المنشآت وفساد العباد والبلاد.
وجاء في بيان الهيئة: (ليس كل ما وصف بالكفر من قول أو عمل يكون كفرا أكبر مخرجا من الملة)، وجاء فيه أيضا: (لا يجوز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن، حيث يترتب على التكفير أحكام خطيرة، وكما أن الحدود تدرأ بالشبهات، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات).
ومع أهمية بيان هيئة كبار العلماء في هذا التوقيت (وفي كل توقيت) إلا أن مشكلة (التكفير) اليوم تكمن في أنه لم يعد أمرا نخبويا محصورا بعدد محدود من (المكفراتية) المعتبرين، بل أصبح أمرا شائعا بين عامة الناس، بل ويكاد أن يصنف ضمن العادات والتقاليد!.
في أيامنا العجيبة هذه لم تعد ثمة ضرورة لأن يخرج شخص ما بقول أو فعل صريح يستدعي الاستعجال بتكفيره، فالتكفير اليوم بفضل التقدم الذي نعيش فيه أصبح بسيطا جدا وخاليا من التعقيدات!.. فالاختلاف في الرأي سبب كاف للتكفير.. والاختلاف في المذهب سبب أساسي في التكفير.. حتى قصائد الشعر التي يحتمل تأويلها على أكثر من معنى مادة خصبة للتكفير.. تتخيل أحيانا أن الأمة تركت كل تحدياتها المستحقة وانشغلت في البحث عن كفرة محتملين يختبئون في ردهات المكاتب أو فضاءات الإنترنت.. هكذا لا يشعر عدد كبير من الناس بقوة إيمانهم إلا من خلال إعداد الكفرة الذين نجحوا في اصطيادهم وتكفيرهم قبل الآخرين!.. ومثل هذه حياة لا تتفق مع حديث المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام: (أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما. إن كان كما قال وإلا رجعت عليه).
على أية حال حفرة التكفير لا قاع لها.. فهي قد تبدأ بتكفير من يختلف معك في المذهب أو الاتجاه الفكري، ولكنها يمكن أن تنتهي بتكفير من يقصد مسجدا غير الذي تقصده.. لعبة سهلة لا تنتهي.. خطورتها أنها في لحظة ما تخرج عن سيطرة الجميع!.