في اليوم الوطني نحتفل بأمجاد التوحيد والتأسيس والبناء، والوطن ولله الحمد يمسك بمفاتيح استشراف جاد للمستقبل..
نحتفل بتاريخ عظيم صنعه الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، بجهاده وحنكته وشجاعته، وقبل ذلك عمق إيمانه بالله تعالى ونصره وتوفيقه، فكانت وحدة الأرض والإنسان حصاد الخير، بجمع الشتات وبناء دولة واعدة على أساس المواطنة، وتعظيم خصوصية شرف المسؤولية في رعاية وخدمة المقدسات وضيوف الرحمن.
العالم اليوم في زمن صعب ضغطت فيه العولمة على الهويات الوطنية، وجعلت خطوط الدفاع عنها تبدأ من العقل والفكر، وأصبح الأمن الفكري وتحصينه أكثر ضرورة وصعوبة في الوقت نفسه.
فالحروب الجديدة باتت حرب عقول ومعلومات وشائعات من كل حدب وصوب تزيف الحقائق وتشوه الإنجاز، وتبث سموم الفرقة وتشعل شرر الفتنة، كالذي يحصل منذ سنوات في الجوار بصراعات وحروب طائفية ومذهبية وعرقية، أتت عليها كسريان النار في الهشيم وتلقي بظلالها على استقرار المنطقة.
وهنا يتجلى الفارق الكبير بين وطن توحد وانصهر فيه أبناؤه بهوية وطنية راسخة، وبلاد لم تتصالح مكوناتها على الوطنية، فظلت نارا تحت الرماد ومعول هدم لبلادها وخطرا على استقرار ومستقبل الأمة.
عندما جاهد الملك عبدالعزيز لتوحيد البلاد كان يدرك ببصيرته الثاقبة خطورة الشتات داخليا، وفرقة إقليمية تغذي الصراعات ويتلاعب بها الخارج، ولهذا لم تكن الأرض وحدها هي من جمعت الأطياف والشتات، إنما حكمة بطل أرسى أسس المواطنة الصحيحة والهوية الراسخة، ومسيرة كفاح تنموي وتقوية الدولة.
اليوم السياسة وأخبارها لا تتوقف، والأحداث ومجرياتها وتحليلاتها لا يهدأ طوفانها والمتغيرات سريعة والرأي العام يتعرض لطوفان معلوماتي وعالم افتراضي أصبح ساحة مائدة للفتن، وشبكات تواصل العدو فيها خفي خبيث وماكر يستهدف من يسهل اصطيادهم ليصبحوا مصدر إيذاء لأوطانهم ومجتمعاتهم وهذا هو التحدي الأكبر.
ونحن نحتفل بيومنا الوطني علينا أن نستلهم من هذا الزمن الصعب الدروس من تاريخنا المضيء، وتدرك الأجيال الجديدة هذه القيمة العظيمة لوحدة الوطن، ولو كانت تفاصيل أحداث الماضي مسجلة صوتا وصورة، لشرحت أكثر عن حكمة الملك المؤسس ورؤيته، ومن ذلك نتذكر عندما كان أتباع كل مذهب يصلّون في جماعة منفصلة، وها هما الحرمان الشريفان والبقاع المقدسة تجسد صفاء العقيدة التي قامت عليها هذه البلاد، وسياسة رشيدة تضع الوطن في مكانه اللائق الذي يستحق، وتحمي وتنصر وتذود عن الحق وتغيث بشريانها الإنساني.
لذلك لا بد وأن نحافظ على هذه الروح في نفوس الأجيال وعقلها، بالاخلاص والوعي وبحسن الكلمة ورشد التفكير حتى لا ينفذ سهم عدو حاقد وماكر.
قال تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وهذه الآية نزلت للمسلمين قبل أن ينزغ شيطان التعصب المذهبي في الأمة بأحقاد جاهلية قديمة تطل برأسها في إيران لتشعلها في دول الأمة.
والفارق شاسع بين الخلاف الأعمى، وبين التنوع والاختلاف الذي لايفسد للحق ولا للود قضية.
فلتكن من هذه الآية الكريمة ثم من تاريخ ونهج هذا الوطن، ودعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله - إلى الأمة في حفل الاستقبال الكبير خلال موسم الحج منطلقا لتعزيز الوحدة الوطنية، ووحدة الأمة على نقاط الاتفاق وتدع ما يفرقها، أما الأعداء والمتربصون، فـ(النار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله) كل عام ووطننا في مزيد من الأمن والسؤدد.

iikutbi@gmail.com