حالة مظاهر التململ على عدم توفر وظائف لحملة الشهادات العليا، وأيضا نوعية الوظائف المتاحة.. هذا الوضع يمثل الفارق الأساسي بين حال من يعانون البطالة في الدول العربية عموما وبين من يعانون من البطالة في الدول الصناعية، ليس فقط لأن الإنسان في الدول الصناعية يعتبر أن العثور على عمل هو مسؤوليته الشخصية وليس مسؤولية الدولة، وليس لديه التكبر الأكاديمي الذي لدى العرب على شغل وظائف دون طموحهم، إنما أكثر من هذا، فالإنسان في الدول الصناعية لديه ثقافة خلق الفرصة عندما لا يجدها متوفرة بدل المطالبة بها والاحتجاج على نوعية المتوفر منها، حتى إن كثيرا من الطلاب يعملون في وظائف تدريبية بدون راتب لاكتساب الخبرة سواء أثناء دراستهم أو بعد تخرجهم، وهذه الخبرة تساعدهم على بدء مشروعهم الخاص أو ترجح فرص حصولهم على الوظائف التي تشترط الخبرة، ومن يقرأ قصص الناجحين سيرى أن بعض أثرى أثرياء العالم الذين قدموا للبشرية قفزات نوعية جعلت حياة الجميع أفضل لم يجدوا في بداية حياتهم وظائف في القطاع الخاص ولا الحكومي وبدل أن يحتجوا على عدم توفير الحكومة وظائف لهم تناسب طموحهم وكبرياءهم أنشأوا مشاريعهم الخاصة، وهنا وقفة مع مسألة المشاريع الخاصة، فهي لا تعني بالضرورة وعلى الأقل في البداية القيام بالاقتراض من البنوك لبدء المشروع، لأنه حسب الإحصاءات المنشورة فغالب المشاريع الصغيرة تفشل خلال السنتين الأوليين بسبب افتقار أصحابها للخبرة العملية في مجال المشروع، ناهيك عن الخبرات المالية والإدارية اللازمة لإدارة المشروع، وهذا يرتب عليهم عواقب وخيمة مع عجزهم عن سداد القروض، فهم قد يدخلون السجن وهذا بدوره قد يقضي على مستقبلهم العملي لأنه يصعب أن يوظفهم أحد بعدها، وهذا غير الأضرار الشخصية والعائلية الناتجة عن دخول السجن والتي ليس أقلها أن لا يقبل الناس بتزويجهم لأنهم صاروا في عرفهم خريجي سجون، ولهذا فثقافة خلق الوظائف بدل طلبها لتكون آمنة يجب أن تعتمد على الأعمال التي لا تتطلب رأس مال على الأقل ريثما يكتسب الشخص خبرة عملية كافية مثل الأعمال التي تعتمد على الإنترنت والحاسب الآلي والأجهزة الذكية، وعلى سبيل المثال لا يكاد يمر أسبوع بدون أن نقرأ عن مراهق غربي صمم تطبيقا ما وباعه لإحدى الشركات مقابل الملايين، وللأسف إن العقلية السائدة لدينا لازالت مقولبة في قالب الوظائف التقليدية ولم تتفتح على مجالات العمل المستجدة وبخاصة عبر شبكات الاتصال والتواصل الاجتماعي.